فيما يتعلق بقتل الصحفية وهي شيرين أبو عاقلة المقدسية
هل يصح الترحم على الصحفية المقدسية وهي المقتولة شيرين أبو عاقلة؟ علماً أنها مسيحية فيما سمعنا، وهل يصح الحكم عليها بأنها من أهل النار أو وصفها بأنها شهيدة ومآلها الجنة؟
الجواب
بالنسبة للصحيفية شيرين بخصوصها الحكم عليها يشمله مضمون الآية: ( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) لكن من حيث العموم في الحكم، فالترحم على من مات أو قتل على غير دين الإسلام بقصد الاعتقاد أن من مات على غير ملة الإسلام أنه بالترحم عليه والاستغفار له والدعاء له سيكون من أهل الجنة هذا من التكذيب لخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والقصد والإصرار على ذلك من مسلم بالغ راشد عالم مختار يعتبر من الردة عياذاً بالله، وقد ورد في نصوص القرآن والسنة والإجماع أن النار لأهل الكفر وأن الجنة لأهل الإسلام، وهذا من ثوابت الدين الإسلامي، فالله قد أخبر بأن من مات على الكفر أنه من أهل النار، وأن من مات على الإيمان فهو من أهل الجنة.
أما الترحم بغير هذا الاعتقاد أيضاً فلا يوجد نص يأمر بالترحم وجوباً على من مات، فإن كان لا بد من ترحم لمن قدم أموراً إيجابية للإسلام وأهله فليكن بقصد دخول الجنة لمن مات على الإسلام وبقصد تخفيف العذاب عن من مات على الكفر، كما ورد في الحديث عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: (نعم، هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) متفق عليه.
بالنسة للصحفية الإخبارية شيرين المذكورة في السؤال وقول السائل: وهل يصح الحكم عليها بأنها من أهل النار أو وصفها بأنها شهيدة؟ أقول: هذا كلام على شخص معين وهي شيرين، وهذا طلب حكم بجنة أو بنار لشخص معين، وهو أمر لا يصح لمخلوق غير معصوم أن يشهد به لحي أو ميت من الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أوحي إليه فقد كان يشهد لأناس بالجنة ويشهد لأناس بالنار ويشهد لأناس ختم لهم بالخاتمة الحسنة ولأناس ختم لهم بالخاتمة السيئة، وأطلعه الله على أخبار المنافقين، قال الله تعالى: (عَـٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ فَلَا یُظۡهِرُ عَلَىٰ غَیۡبِهِۦۤ أَحَدًا ( ) إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولࣲ فَإِنَّهُۥ یَسۡلُكُ مِنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رصداً ( ) لِّیَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُوا۟ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَیۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَیۡءٍ عَدَدَۢا ) فقد أخبر صلى الله عليه وسلم (عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، فهذا لا يقال إلا بوحي من الله.
وأخبر عن بغي من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة بسبب أنها سقت كلباً .. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ( عُذّبت امرأة في هرّة ، سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها ، ولا سقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) متفق عليه. وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظه، وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رأى تلك المرأة في صلاة الكسوف حيث قال : (.. ودنت مني النار ، فإذا امرأة تخدشها هرّة ، قلت : ما شأن هذه؟، قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا ، لا أطعمتها ، ولا أرسلتها تأكل ) . وهو على سبيل الإخبار، وليس على سبيل القطع بالحكم العام، فلا شك ان قتل الهرة بدون ضرورة من الأمور المحرمة ومن الإثم استدلالاً بهذا الحديث والنبى صلى الله عليه وسلم أخبر عن حادثة علمها بالوحي ولم يقل: أيها الناس من قتل هرة فهو من أهل النار.
كذلك ورد حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بينما كلب يُطِيفُ بركِيَّةٍ، كاد يقتله العطش، إذ رأتْه بغيٌّ مِن بَغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوقَها فسَقَتْه، فغُفرَ لها به) متفق عليه، والركية هي البئر، كما ورد أيضا في قصة رجل انه سقى كلباً فغفر الله له فأدخله الجنة، وحديث (الذي أزال غصن شوك عن طريق المسلمين فدخل الجنة). .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ). رواه مسلم.
عن أبي هريرة رضي اله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “أسرف رجل على نفسه. فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني. ثم اسحقوني. ثم اذروني في الريح في البحر. فو الله! لئن قدر علي ربي، ليعذبني عذابا ما عذبه به أحد. قال ففعلوا ذلك به. فقال للأرض: أدي ما أخذت. فإذا هو قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك. يا رب! – أو قال – مخافتك. فغفر له بذلك) أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فُلانةُ تَصومُ النَّهارَ وتَقومُ اللَّيلَ، وتُؤذي جيرانَها؟ قال: هيَ في النَّارِ، – وفي لفظ – لا خير فيها هيَ من أهلِ النَّارِ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فُلانةُ تُصلِّي المَكتوباتِ، وتَصَّدَّقُ بِالأَثوارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ، – وفي لفظ – هي من اهل الجنة)، أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والبزار كما في صحيح الترغيبصححه الألباني رحمه الله.
فهو صلى الله عليه وسلم يحكي شيئاً أوحي إليه، ثم ذكر الإمام مسلم حديث الهرة ، ثم قال : قال ابن شهاب الزهري: ذلك، لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل. انتهى. قلت : حتى لا يكون الحكم على معين إلا بنص من الوحي الكريم.
قال تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)، وقال تعالى: ( وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وقوله (من بعد ما تبين) والتبين يكون بالوحي، وقوله: ( أولئك يئسوا من رحمتي) حكم على الكافرين عموماً، أما الحكم من الوحي على كفار معينين فأدلته مشهورة في شأن فرعون وهامان وقارون وكذلك أبو لهب وأبو جهل.
وقال تعالى: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، فقوله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ..إلى آخر الأية والآية التي بعدها ..حكم للمؤمنين عموماَ، أما الحكم من الوحي على مؤمنين معينين فأدلته مشهورة في شأن الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه وكذلك مؤمن آل يس المذكور في سورة يس، ومؤمن آل فرعون المذكور في سورة غافر، ومريم بنت عمران وآسيا امرأة فرعون، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبيقة العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم ممن ذكر بعينه كبلال بن رباح وثابت بن قيس وعكاشة بن محصن وغيرهم ممن ورد تعيينهم في النصوص الصحيحة.
عن سعيد بن المسيب، عن أبيه رضي الله عنه، قال: لَمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهلٍ وعبدَالله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أَيْ عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبدُالله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبدالمطلب؟! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبدالمطلب، وأبى أن يقول: (لا إله إلا الله))، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك)، فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، متفق عليه. فهذا أبو طالب تبين حكمه لخاتم الأنبياء فلا يقاس عليه إلا في العموم فقط ولا يصح الاستلال بقصته على كافر معين أو كافرة معينة.
وقال الله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افترى إثماً عظيماً) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا). هذه الآيات من النصوص العامة فلا يستدل بها على شخص معين حياً أو ميتاً.
كذلك كل النصوص الواردة في القرآن والسنة التي فيها الثناء على أهل الإيمان وأنهم من أهل الجنة فهي عامة والنصوص الواردة في الذم لأهل الكفر وأنهم من أهل النار فهي عامة للكفار، فلا نحكم لأحد بجنة ولا بنار إلا بنص من القرآن الكريم والسنة النبوية.
كذلك إطلاق الشهادة على معين إذا كان بقصد أنه نال الشهادة في سبيل الله وهي الشهادة التي يدخل بها في الجنة فهذا لا يصح حتى في حق معين مسلم أو معينة مسلمة فضلاً عن غير المسلمين. وبالتالي فإنه كما تقدم يحرم الشهادة لحي أو ميت بجنة أو بنار دون نص شرعي يقوم بتعيينه، ولا توجد نصوص تشهد لشخص بذاته بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لانقطاع الوحي من السماء.
والخلاصة أننا نعتقد ونقول بما قال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين أصحاب الجنة وبأن الكافرين هم أصحاب النار، ولا نحكم بجنة ولا بنار لمعين إلا من جاء ذكرهم وتعيينم في القرآن الكريم والسنة النبوية.