هل يجوز أن يقال للميت: الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة…وهل نقول: انتقل لمثواه الأخير؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤالي يا شيخنا الفاضل هل يجوز أن يقال للميت: الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة…وهل نقول: انتقل لمثواه الأخير؟

الجواب

لم توضح في سؤالك ما إذا كان الميت مسلماً أم لا؟!
إذا كان مات وهو غير مسلم فلا يجوز الدعاء له ولا الترحم عليه مطلقاً ولا سؤال الجنة له، وأما إذا كان مات مسلماً فالصواب أن نجتهد في الدعاء له بالمأثور ( اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله …)
والأدعية المأثورة كثيرة ومنها الدعاء بالرحمة له وبدخول الجنة والنجاة من النار.

كلمة مثوى وردت في القرآن الكريم في وصف محبس أهل النار في جهنم عياذاً بالله وذلك في عدة سُوَر، قال الله تعالى: (فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِين) وقال تعالى: (ومَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ) وقال تعالى: (فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ) وقال تعالى: (إنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ) وغير ذلك من الآيات.

كما أن الجنة والنار وصفت كل منهما بالمأوى، فكلمة المأوى تطلق على الجنة للمؤمنين، وتطلق على النار للكافرين، كما قال تعالى: (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا * فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ * وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦوَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ)، وقال الله تعالى: (مَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) وقال تعالى: (عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ) .

أما المثوى في شأن الجنة فقد ورد في قراءة من القراءات لآية من سورة العنكبوت، وهي قول الله تبارك وتعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) قرأ حمزة ، والكسائي : بالثاء ساكنة من غير همز ، ( لنثوينهم) يقال: ثوى الرجل إذا أقام ، وأثويته : إذا أنزلته منزلاً يقيم فيه، وقرأ الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها ( لَنُبَوِّئَنَّهُم)، أي : لننزلنهم نزلاً.

كلمة مثوى مأخوذة من مادة (ث و ي) و( ثوي ) تعني في مضمونها توطن المكان وأقام فيه، كما قال تعالى: (وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ) أي ما كنت مقيماً فيهم، ومن ذلك أيضاً قوله في شأن يوسف عليه السلام: ( أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ) وقوله: ( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مثواي) المراد أكرمي إقامته معنا فلا يكون مهاناً، وأحسن مثواي معناه إن صاحب الدار والذي هو سيد قومه في مصر أحسن إقامتي معكم بتقدير واحترام، وعبر عنه بقوله : ( إنه ربي ) أي صاحبي أو سيدي، فخيانته مع هذه المعطيات تكون أشد قبحاً وأشنع فحشاً.

أما ورود مثوى في وصف جهنم فذلك لأنها تعني الحبس إذ لا توجد فيها حركة نعيم وراحة تنقل بل كل ما فيها جحيم وعذاب أليم، عياذاً بالله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ )، أي فإن كانوا في الدنيا يتحركون بحرية ويتنعمون بملذات الحياة كما ترعى الأَنْعَام في الواحات الخضراء لكنهم في الآخرة تكون النار محل حبس وتقييد لهم.

ومما يدل على أن المثوى هو المكان والسكن قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ )، أي يعلم ( متقلبكم ) كل تحركاتكم وترحالكم وتنقلاتهم، ويعلم ( مثواكم ) إقامتكم وسكونكم وبياتكم.

بناء على هذا فالأسلم أن ندعو للمسلم الميت والمسلمة بالأدعية المأثورة ونسأل لهم الفوز بالجنة والنجاة من النار.

أما قول بعضهم في الميت: انتقل إلى مثواه الأخير ويقصدون بذلك القبر فهذا من الخطأ والخطيئة وهو من كلام العامة والجهلاء وليس من كلام مأثور عن أهل العلم والفقه، ذلك لأن القبر ليس هو المكان الأخير بل يليه بعث ونشور ويوم يقوم فيه الناس لرب العالمين.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع المؤمنين الأبرار.

( عيسى يحيى معافا)
موقع لمن اهتدى