كيفية التغسيل الشرعي للميت من أمة الإسلام وذكر الأشياء التي تستعمل أثناء التغسيل

نريد من فضيلة عيسى بن يحيى أن يفصل لنا كيفية تغسيل الميت شرعاً، وما هي الأشياء التي تستعمل أثناء التغسيل؟ أثابكم الله.

الجواب

لا تجِبُ النيَّةُ في غُسلِ المَيِّت، وهو مذهَبُ الجُمهورِ: الحَنفيَّة، والمالِكيَّة، والشَّافعيَّة ، وروايةٌ عن أحمدَ؛ وذلك لأنَّ القَصْدَ التنظيف، ويُسَنُّ تجريدُ الميِّتِ من ثيابِه، وهو مذهَبُ جمهورِ الفقهاء: الحَنفيَّة، والمالِكيَّة، والحَنابِلَة.

عن عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، قالت: (لَمَّا أرادوا غُسلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قالوا: واللهِ ما ندري: أَنُجَرِّدُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ثيابِه كما نُجَرِّدُ موتانا، أم نُغَسِّلُه وعليه ثيابُه)؟ رواه أحمد وأبو داوود بسند صحيح، فعبارة ( كما نجرد موتانا ) دلت على فعل ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم.

لا يجوزُ النَّظَرُ إلى العورة لعمومُ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِي رَضِيَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا ينظُرُ الرَّجُلُ إلى عورةِ الرَّجُلِ، ولا المرأةُ إلى عورةِ المَرْأةِ) رواه مسلم.

يُشْرَعُ أن يعْصِرَ الغاسِلُ بَطْنَ الميِّتِ عصرًا رفيقًا، ثم يَلُفَّ على يَدِه خِرقةً فيُنْجيه بها، وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ، وإنما يلُفُّ على يَدِه خرقةً حتى لا يَمَسَّ عَوْرَتَه؛ لأنَّ النَّظَرَ إلى العورةِ حرامٌ كما تقدم؛ فاللَّمْسُ أَوْلى بالمنع.

يُسْتَحَبُّ أن يمسَحَ الغاسِلُ أسنانَ الميِّتِ ومِنْخَرَيه وينظِّفَهما، كمااتّفقِ على ذلك أئمة المذاهِبِ الأربعةِ، فعن أمِّ عطيَّةَ نُسيبَةَ الأنصاريَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عنها، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لهنَّ في غُسلِ ابنتِه: (ابدأْنَ بمَيَامِنِها ومواضعِ الوُضوءِ منها)، متفق عليه.

تَوضِئ الميِّت يُسَنُّ أن يُوَضِّئَ الغاسِلُ المَيِّتَ في أوَّلِ غَسَلاتِه؛ كوضوءِ حَدَثٍ، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ، للحديث المذكور لأنَّ الوضوءَ يُبدَأُ به في غُسْلِ الحيِّ، فكذلك الميِّتُ، فهو سنَّةُ الاغتسالِ في حالة الحياةِ، فكذا بعد المماتِ؛ لأنَّ الغُسْلَ في الموضعيْنِ لأجْلِ الصَّلاةِ.

يُغَسَّل الميِّتُ بماءٍ وسِدْرٍ ، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ، فعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (أقبلَ رجُلٌ حَرامًا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فخَرَّ مِن بَعيرِه، فوُقِصَ وَقْصًا، فمات، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: اغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ وأَلْبِسوه ثوبَيْهِ، ولا تُخَمِّروا رَأْسَه؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ يُلَبِّي) متفق عليه، ولحديث أمِّ عطيَّةَ الأنصاريَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عنها، قالت: دخل علينا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين تُوفِّيَتْ ابنَتُه، فقال: (اغْسِلْنَها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثَرَ من ذلك إنْ رَأَيْتُنَّ ذلك، بماءٍ وسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافورًا- أو شيئًا من كافورٍ- فإذا فرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي) متفق عليه

يجب غَسْلُ جميعِ بَدَنِ المَيِّت، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ، لحديث ابن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، في شأن المحرم ولحديث أمِّ عطيَّةَ المتقدم.

يُسَنُّ في غُسلِ المَيِّت أن يُبدَأَ بالشِّقِّ الأيمَنِ ثُمَّ الأيسَرِ، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعة لحديث أمِّ عطيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، ولعمومُ حديثِ عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها: (كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعْجِبُه التيمُّنُ في تنعُّلِه وترجُّلِه وطُهورِه، وفي شأنِه كُلِّه) متفق عليه .

يُسَنُّ أن يجعَلَ الغاسِلُ في الغَسلَةِ الأخيرةِ كافورًا ، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ لحديث أمِّ عطيَّةَ الأنصاريَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عنها، وفيه (واجْعَلْنَ في الآخرَةِ كافورًا- أو شيئًا من كافورٍ-).

الوِترُ في تغسيلِ الميِّت مُستحَبٌّ، باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعةِ: لحديث أمِّ عطيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، أنَّ النبيَّ صلَّى لله عليه وسلَّم قال: (اغْسِلْنَها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثرَ من ذلك)، وفي رواية: (واغسِلنَها وِترًا ثلاثًا أو خمسًا).

أما تقليمِ أظْفارِ المَيِّت وقَصِّ شارِبِه فعلى قولين وهما:
القول الأول: يُكْرَه تقليمُ أظْفارِ المَيِّت وقَصُّ شاربِه، وهو مذهبُ الحَنفيَّة ، والمالِكيَّة، وقولٌ للشافعيَّةِ صحَّحَه بعضُهم، واختاره النوويُّ ، ومال إليه ابن المُنْذِر ؛ وذلك لأنَّه يُفْعَلُ للزِّينةِ، والمَيِّتُ ليس بمحَلِّ الزِّينةِ.

القول الثاني: يُستحَبُّ تقليمُ أظْفار المَيِّت وقَصُّ شارِبِه، وهو مذهَبُ الحَنابِلَة ، وقولٌ للشافعيَّة ، وهو قولُ طائفةٍ مِنَ فقهاء السَّلَفِ والخلف .

أما حَلْقُ شَعْرِ عانَةِ الميِّت فيَحْرُم، وهو مذهَبُ الحَنابِلَة ؛ وذلك لِمَا فيه مِنْ مَسِّ العورةِ ونَظَرِها، وهو مُحَرَّمٌ شرعاً.

تنشيفُ المَيِّتِ بعد الغُسْل، يُستَحَبُّ أن يُنَشَّفَ المَيِّتُ بعد الغُسْلِ، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ.

يُيَمَّمُ المَيِّتُ لعُذْرٍ مِن عَدمِ الماءِ، أو عَجْزٍ عن استعمالِه، باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعةِ، وذلك لأنَّه غُسْلٌ لا يتعلَّقُ بإزالَةِ نجاسةٍ، فنابَ التيمُّمُ عنه عند العَجْزِ؛ كغُسْلِ الجنابَةِ .

الأحكامُ الخاصَّةُ بغُسْلِ المرأةِ والخُنْثَى والمُحْرِم.

بالنسبة للمرأة فيُستَحَبُّ تسريحُ شعْرِ الميَّتةِ، وجَعْلُه ثلاثَ ضفائِرَ خَلْفَها، وهو مذهبُ الجُمهورِ: المالِكيَّة ، والشَّافعيَّة ، والحَنابِلَة، فعن أمِّ عطيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، قالت: (تُوُفِّيَتْ إحدى بناتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأتانا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: اغْسِلْنَها بالسِّدْرِ وِتْرًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثَرَ من ذلك، إن رأيتُنَّ ذلك، واجعَلْنَ في الآخِرَةِ كافورًا- أو شيئًا من كافورٍ- فإذا فرغْتُنَّ فآذِنَّنِي، فلما فَرَغْنا آذَنَّاه، فألقى إلينا حَقْوَهُ ، فضَفَّرْنا شَعْرَها ثلاثةَ قُرونٍ، وألقيناها خَلْفَها) متفق عليه.

الخُنثى المُشْكِل إذا كان صغيراً وكذا من أقاربه فإنه يغسل فإن كان بالغاً وليس ذا رحم فإنه يُيَمَّمُ ولا يُغَسَّلُ ، وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ، وذلك لأنَّه مات قبل أن يَستبينَ أَمْرُه ذكراً أم أنثى، فلم يُغَسِّلْه رجلٌ ولا امرأةٌ؛ لأنَّ حِلَّ الغُسل غيرُ ثابتٍ بين الرِّجالِ والنِّساءِ لغير ذي قربى ومحرم،فيكون التيمم؛ لاحتمالِ الحُرْمَةِ، ويُيَمَّمُ بالصَّعيدِ الطاهر؛ لتَعَذُّرِ الغُسْلِ، ولأنَّه لا يحلُّ للرَّجُلِ أن يُغَسِّلَه؛ لاحتمالِ أن يكونَ أنثى، ولا يحِلُّ للمرأةِ أن تُغَسِّلَه؛ لاحتمال أنَّه ذَكَرٌ؛ فَيُيَمَّم.

أما المحرم بحج او عمرة فغُسْلُ الْمُحْرِم المَيِّت كغُسْلِه وهو حيٌّ، فيُجَنَّب ما يُجَنَّبُ وهو حيٌّ، وهو مذهَبُ الشَّافعيَّة، والحَنابِلَة، وبه قالت طائفةٌ مِنَ السَّلَف ، وهو قولُ ابنِ حزْمٍ ، وابنِ تيميةَ، وابنِ القَيِّم وغيرهم، فعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (بَيْنَا رجلٌ واقِفٌ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بِعَرَفَةَ إذْ وَقَعَ عن راحِلَتِه فوَقَصَتْه، أو قال فأَوْقَصَتْه- فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: اغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ وكفِّنوه في ثوبينِ، ولا تُمِسُّوه طِيبًا، ولا تُخَمِّروا رَأْسَه، ولا تُحَنِّطوه؛ فإنَّ اللهَ يَبْعَثُه يومَ القيامَة مُلَبِّيًا).

إذا خرج من المَيِّت نجاسةٌ بعد غُسلِه وقبلَ تكفينِه؛ وَجَبَ غَسْلُ النَّجاسَةِ، ولا يُعادُ الغُسْلُ، وهذا مذهَبُ الجمهورِ : الحَنفيَّة ، والمالِكيَّة ، والشَّافعيَّة، وذلك لأنَّ الغُسْلَ قد عُرِفَ بالنَّصِّ، وقد حصل مرَّةً، وسقط الواجِبُ فلا يُعيدُه ، ولأنَّه خَرَجَ عن التَّكليفِ بِنَقْضِ الطَّهارة .

إذا خرَجَ من المَيِّت نجاسةٌ بعد غُسْله، وقبل تكفينِه؛ فلا يُعادُ وُضوؤُه، وهو مذهبُ الجُمهورِ: الحَنفيَّة، والمالِكيَّة والصَّحيحُ مِن مَذْهَبِ الشَّافعيَّة، لأنَّه خرَجَ عن التَّكليفِ بِنَقْضِ الطَّهارةِ.

ويصح أن تغسل المرأة زوجها حين موته، قال ابن المنذر: واجمعوا على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات، وذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة إلى أنه يصح للزوج أن يغسل زوجته إذا ماتت، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (لومت قبلي لغسلتك وكفنتك). رواه أحمد وابن ماجه، وصح أن علياً غسل زوجته فاطمة رضي الله عنهما.

يُستحَبُّ الاغتسالُ مِنْ غُسْلِ المَيِّت، وذلك باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأربعة، فعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنه قال: (مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فلْيغتَسِلْ) وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: (كُنَّا نُغَسِّلُ المَيِّتَ؛ فمِنَّا من يَغْتَسِلُ، ومنَّا مَن لا يغتَسِلُ).

( عيسى يحيى معافا)
موقع لمن اهتدى