أيها الناس: إن من أهم الواجبات الإسلامية والالتزامات الإيمانية والتي يترتب عليها صلاح المجتمع، وأمنه واطمئنانه وتماسكه، وسعادته وسلامته ونجاته في الدنيا والآخرة، القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو موضوع عظيم، جدير بالعناية والاهتمام، لأن في تحقيقه تحقيق مصلحة الأمة وميراث أجيالها، وفي إهمال وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخطر العظيم والفساد الكبير، وسبب لاختفاء الفضائل، وطهور الرذائل، ألا واعلموا أن الله تبارك وتعالى قد أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)، وجعله الله من أعظم صفات المؤمنين والمؤمنات فقال تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وجعل عكس ذلك أي الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أعظم صفات المنافقين والمنافقات، فقال تعالى: ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) وقد أوضح الله جل وعلا في كتابه العظيم منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنظور الإسلامي، وبين سبحانه أن منزلته عظيمة، حتى إنه سبحانه في بعض الآيات قدمه على الإيمان، الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) ولقد بحث أهل العلم عن سر تقديمه على الإيمان، فقالوا: لا نعلم السر في هذا التقديم، إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، فجاء الاهتمام به فقدم ذكره على الإيمان، وبهذا ندرك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم ما يحتاج إليه المسلمون ولا سيما في هذا العصر.
إن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي، وانتشار الضلالات والمنكرات، فذلك سفينة النجاة، فعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مثل القائمين على حدود الله والواقعين فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا بمن فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم ومنعوهم نجوا ونجوا جميعاً ) رواه البخاري ومسلم، علينا أن نتأمل هذا المثل العظيم من النبي عليه الصلاة والسلام فهو أعلم الخلق بأحوال المجتمع وأمور الأمة، وأسباب صلاحها وأسباب فسادها، فهذا الحديث فيه ضرب المثل والله يقول: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ).
حين نتأمل في هذا الحديث نجده واضح الدلالة على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه سبب منقذ من الهلاك، وتركه سبب للهلاك، ويدل الحديث على وجوب الأمر والنهي، لما يترتب عليهما من المصلحة العامة، ويشير الحديث إلى وجوب اتفاق المسلمين الراعي والرعية بالقيام بهذه المهمة العظيمة، فيجب على الوالي أن يكلف القيام بهذه المهمة، ويجب على صاحب المال أن يبذل من ماله في تحقيق هذه المهمة، ويجب على العلماء والدعاة أن يقوموا بهذه المهمة، ويجب على كل العامة من المسلمين أن يكونوا مشاركين في القيام بهذه المهمة، حتى تتظافر الجهود بقدر تحقق القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.
لقد ذكر الله جل وعلا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم صفات المؤمنين مجتمعين لتصلح بذلك مجتمعاتهم، فقال تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِوَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ولننظر إلى أنه ختم الآية بقوله ( أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ، يرحمهم بالأمن والأمان، يرحمهم بالاستقرار والاطنئنان، يرحمهم بأن يجعلهم يذلون ويقهرون الشيطان ويذلون ويقهرون أولياء الشيطان، وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم صفات المؤمنين فإن العكس من ذلك هو من أعظم صفات المنافقين، قال تعالى: ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ثم لنعلم جميعاً ولنوقن أن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة كل مؤمن ، والدليل على ذلك أن الله ذكرها في صفات المؤمنين ومن ذلك قوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) فإذا كان المؤمن من أهل التوبة والعبادة والحفظ حدود الله فهو أيضاً من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر)، ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الأمير راع ومسؤول عن رعيتهوالرجل راع ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته) وكلكم خطاب لجميع المسلمين والمسلمات لا ينفك عن ذلك أحد منهم، وابدأ بنفسك أيها المسلم ، فإنك حين تحمل نفسك على القيام بما أوجب الله وتمنعها من الوقوع فيما حرم الله فأنت بذلك قد أمرت نفسك بالمعروف ونهيتها عن المنكر، ولقد أحسن من قال : ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم *** فهناك يسمع ما تقول ويشتفى*** بالقول منك وينفع التعليم.
وكذلك الاهتمام بالرعية التناصح بين الزوجين التناصح في الأسرة التنصاح الخاص والعام ، روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة). إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المرسلين وخاتم النبيين قام بهذه المهمة خير قيام، ورب العزة والجلال أنزل في القرآن قوله تبارك وتعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).
اللهم اهدنا واهد بنا وأصلحنا وأصلح بنا واجعلنا صالحين مصلحين.