أيها الناس: وبمناسبة بدء انطلاق المدارس ودور التعليم ينبغي أن نقف متأملين في فضل العلم وفضل طلب العلم، ومدى اهتمام الشرع الإسلامي بالدعوة إلى العلم والتعليم، ولقد سمى الله عز وجل نفسه بالأسماء الحسنى والصفات العليا، وقال: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، ومن أسمائه الحسنى وصفاته العليا أنه العالم والعليم والعلام والخبير والحكيم والحكم والحاكم والحفيظ والحافظ والبصير والبديع والقادر والقدير والمقتدر، وهو يحب سبحانه وتعالى من عباده المسلمين والمسلمات المؤمنين بأسمائه وصفاته والمعظمين لها أن يعظموا قدر العلم ويسعوا في نيل شرف العلم والخبرة، ويهتموا بتعليم أنفسهم وشعوبهم وأبنائهم وبناتهم، ويحسنوا في اختيار ذوي العلم والخبرة والقدرة والقدوة من الرجال والنساء ليكونوا معلمين ومعلمات ومدرسين ومدرسات ومربين ومربيات.
وأن يقوم المجتمع الإسلامي ليترجموا إيمانهم بأسماء الله وصفاته من خلال أداء عباداتهم على علم ذي صلة بما جاء عن الله تبارك وتعالى في شرعه المطهر، وبناء معاملاتهم وعلاقاتهم وسياساتهم وثقافاتهم وسلوكهم وحكمهم وقضائهم وتجاراتهم واقتصادهم وصحتهم واستطبابهم، وكل حياتهم النفسية والاجتماعية والاختصاصية والثقافية والرياضية على علم ذي صلة بعلوم الوحي المزكى من عند الله تبارك وتعالى، قال الله عز وجل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).
أيها المسلمون: لقد أثنى الله على أهل العلم وأردف ذكرهم مع اسمه ومع ملائكته المقربين فقال: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )، ورفع شأن أهل العلم والإيمان فقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )، إن العلم ممدوح بشتى تخصصاته وطرقه التي حث عليها الإسلام فقد صح في الحديث ( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله ) رواه الترمذي بسند صحيح، وعند مسلم في صحيحه ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) فقوله من خرج في طلب العلم ومن سلك تعبير يعم الرجال والنساء بل يشمل كل الفئات العمرية، فطلب العلم ليس حكراً على فئة معينة، وقوله من سلك طريقاً السلوك للطريق يفيد العزيمة والإقدام والإرادة وصلاح النية، وبذل الجهد وتقديم العطاء والتضحية بالتبكير والوقت والمال والحرص والاستماع، وحسن التلقي، فلكل شيء ثمنه، وقوله ( يلتمس فيه علماً) الالتماس يوحي بالأخلاق والآداب والتواضع والصبر والسعي الحثيث لتحصيل أكبر قدر من العلوم، وكل علم ثبت نفعه فإن المسلم المتلقي له في طريق من طرق الجنة، ( سهل الله له به طريقاً من طرق الجنة).
اللهم اغفر لنا…
الخطبة الثانية.
عباد الله ، إذا كانت العلوم الشرعية والتعبدية كالطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج معلومة من الدين بالضرورة، فإن كل العلوم التي يحتاجها المجتمع المسلم حتى يستغني عن غيره لا تقل أهمية من علوم العبادات، بل إن العلم الذي ينفع المجتمع أهم من العلم الذي يخص الفرد، فما أحوجنا نحن المسلمين أن نتعلم علوم الطب وعلوم الحكم والقضاء وعلوم القانون والاجتماع، وعلوم الإدارة والاقتصاد وعلوم القيادة والبطولة والخبرة والسياسة والتربوية والعلوم العسكرية والقيادية التي نحتاجها في الحرب والسلم؟! ومن هنا يبرز لنا عظيم المسؤولية على الجميع من اختيار المناهج وطرحها إلى الإدراك بمسؤولية المدرسين والمدرسات والمربين والمربيات، كما أن المسئولية على الآباء والأمهات عظيمة
وأعلا وأولى علم يجب الاهتام به هو علم القرآن الكريم والسنة النبوية لغة وحفظاً وفهماً وعملاً وأخلاقاً للحفاظ على الثوابت والقيم الإسلامية، وللسلامة من شبهات وخداع المستشرقين، والنجاة من انحراف الملحدين، فقد جاء في القرآن أن العلم حمى أصحابه من مضلات الفتن التي أصابت الجهلاء الذين ظنوا أن قارون الكافر محظوظ فأنكر عليهم أهل العلم، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ )