الإيمان قيد الفتك (خطبة)

الحمد لله، خطبة الجمعة بعنوان: ( الإيمان قيد الفتك)

إنه ما من إنسان إلا لديه من العقل والإدراك ما يصرفه عن الضرر ويدفع به إلى الشيء النافع وفي كل مجتمع توجد حكومة وقضاة لمنع وردع الجاني والانتصار للمظلوم، ألا وإن تصرفات المسلم وتعاملاته وأعماله الخاصة والعامة لا بد لا من حاكم يرشد طريقها وقاض يدل إلى طريق الخير والصلاح والنفع هل تعلمون ما هو يا عباد الله ؟! إنه الإيمان.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الإيمان قيد الفتك ) رواه الإمام مسلم في صحيحه، ومعنى قيد الفتك أي عقل المنع يحجز صاحبه عن المساوئ ويدفع به نحو المنافع، يدله على طريق الخير ويحجزه عن الشر.

إن أكثر وأعظم نداء الله عز وجل وخطابه في القرآن لعباده المؤمنين، لما لهم من المنزلة العظيمة فقد ورد في القرآن النداء من الله للمؤمنين والخطاب بقوله ( يا أيها الذين آمنوا ) في تسعة وثمانين موضعاً في عشرين سورة من القرآن الكريم، وتصدر الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به، لأن النداء يحصل به تنبيه المخاطب فيدل على العناية بالخطاب والمخاطبين، بينما لم نجد في القرآن ( يا أيها الذين كفروا ) إلا موضعا واحداً وفيه وعيد وتهديد، ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون).

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فأرعها سمعك، أي فأصغ لها سمعك، فإن بعدها أمراً تؤمر به أو نهياً تنهى عنه.

نعم حين نقرأ تلك النداءات نجد فيها ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) ومن العجائب أن سورة واحدة في القرآن فيها ( يا أيها الذين آمنوا ) ستة عشر مرة وهي سورة المائدة.

ألا واعلموا عباد الله أن القرآن إنما يذكر المؤمنين بكل فضيلة، فحين نستعرض صفات المؤمنين في القرآن نجد أن الله وصفهم بكل فضيلة وبرأهم من كل رذيلة، يصفهم بأنهم أصحاب هدى وينزههم من كل ردى ، وإذا ذكر صفات ذميمة يقول بعدها ( وحرم ذلك على المؤمنين) وإذا ذكر خسارة محيطة بالإنسان يقول بعدها ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) كما في قوله تعالى: ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) وإذا ذكر سفالة أحاطت بالإنسان يقول بعدها ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) فالمؤمنون مذكورون للفضائل المحمودة ومنزهون في الصفات المذمومة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن وإياكم وإياكم ) أي احذروا الوقوع في المعاصي التي لا يقع فيها المؤمنون، وقد سمع الصحابة الكرام رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قالوا: من هو يا رسول الله ؟! قال: من لا يأمن جاره بوائقه) أي لا يأمن شره، متفق عليه، وقال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.

لقد ورد في نصوص الوحي أن المؤمن عنده ملكه وقدرة على إغلاق منافذ الشيطان التي يتسلل منها إلى المسلم، فالشيطان يأتي المسلم حال الغنى والسراء فيصده عن الشكر ويأتيه حال المرض والابتلاء والضراء فيصده عن الصبر، لكن المؤمن ينجو من هذا وقد تعجب النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك فقال: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم، ولنا أن نتأمل جيداً في قوله ( وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).

وإننا حين نستعرض البشائر التي بشر الله بها عباده المؤمنين وذكرها في القرآن نجد العجب، فقد أخبر أنه يدافع عنهم ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وأنه يحبهم ويحبونه ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) ( يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) وأنه معهم ( وأن الله مع المؤمنين) وأنه ينصرهم ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) وأنه ينجيهم ( وكان حقاً علينا ننجي المؤمنين) وأن كتب لهم الفلاح، ( وأولئك هم المفلحون) وأنه وعدهم بالنصر والغلبة والاستخلاف والعزة والقوة ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) وأنهم أصحاب الجنة ( إن الذين آمنوا وعملا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً).

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين.