أسباب التصحر في بعض الدعاة والمدعوين

تصحرالحمد لله الغني الحميد العظيم المجيد، والصلاة والسلام على النبي الكريم صاحب النهج الرشيد والقول السديد.

أما بعد: فلا شك أن الدعوة إلى الله تعالى مهمة عظيمة، وقد أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم كثيرا من النصوص في ذلك فمنها قوله عز وجل في الأمر بالقيام بالدعوة إليه (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سورة آل عمران آية 104 وفي الثناء على الدعاة وصفاتهم قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ…) سورة آل عمران آية 110 وفي كونها سبيل النبي صلى الله عليه وسلم وسبيل أتباعه بعلم وصدق قوله تعالى (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) سورة يوسف آية 108 وفي أسلوب الدعوة قوله تعالى (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) سورة النحل آية 125 وفي الرفعة للدعاة بحق قوله تبارك وتعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) سورة فصلت آية 33 وفي شأن أهمية الاستجابة للدعوة إلى الله قوله تعالى (مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ* يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) سورة الأحقاف آية 30- 32

وصح عن  النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها فأداها كما سمعها ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه) انظر البحر الزخار مسند البزار – حديث: رقم:‏2891‏ والحديث قد ورد عن عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وجبير بن مطعم رضي الله عنهم.

وعن أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً ، فكان منها نقية ، قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب ، أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس ، فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت منها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) رواه البخاري في صحيحه – كتاب العلم باب فضل من علم وعلم – حديث: رقم:‏79‏ ومسلم في صحيحه- كتاب الفضائل باب بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم – حديث: رقم:‏4332

أما التصحر ، وهو مأخوذ من الصحراء التي تحتوي على خبث لا يخرج منه شيء نافع إلا نكداً، فإنه يكون في بعض الدعاة والمدعوين، وفي حال كون الداعي داعياً أو مدعواً، وفي حال كون المدعو مدعواً فقط، أو مدعواً وداعياً في بعض الجوانب.

أولاً: التصحر في بعض الدعاة، يكون بأسباب منها التالي:

1- التصحر بسبب الجهل ، فلا يجوز أن يقوم شخص ويدعو بما لا يعلم، فتراه يفتي غيره ويحكم بكفر من ليس بكافر، ويذكر عدة مسائل، كثير منها قائم إما على أحاديث ضعيفة وهو يجهل أنها ضعيفة أو يحتاج الاستدلال إلى جمع بين النصوص ومعرفة العام من الخاص والناسخ من المنسوخ والمقيد من المطلق والمجمل من المفسر والظاهر من المؤول، وهو يجهل علم الأصول، أو يستدل بالمنطوق دون النظر إلى المفهوم، وهو يجهل هذه الجوانب فضلاً عن أن يكون يتجاهلها عياذاً بالله.

2- التصحر بسبب الغضب، فتجده يسرع الغضب إليه وقد يغضب في غير موضع الغضب، كان يغضب لنظره إلى نفسه أنه لا ينبغي أن يخالفه أحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له رجل يا رسول الله أوصني، قال: ( لا تغضب ) فردد مراراً – أي يطلب من الرسول الوصية – فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تغضب) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يغضب لنفسه إنما يغضب إذا انتكهت حرمات الله فيغضب من أجل الله.

3- التصحر بسبب الجرح بغير حق، فتجده يجرح من لا يستحق الجرح

4- التصحر بسبب التعديل بغير ضرورة أو واقع، فيعدل من لا يستحق التعديل

5- التصحر بالاستعجال، فتجده يصدر الحكم متسرعاً من دون روية أو دراسة مستوعبة

6- التصحر بسبب النفاق، فتجده يذكر فتوى مفصلة على حسب رغبة الحاكم الذي كلفه بصناعتها، وصياغتها، أو لأجل إثارة الحاكم على المحكوم أو المحكوم على الحاكم لأغراض ليس لها وجه في الحق والصواب، ولا تمت إلى الأخلاق أو القيم بأي صلة.

7- التصحر بفساد النية.

8- التصحر بضعف العلم بالواقع.

9- التصحر بعدم الإلمام بظروف المسألة، فتراه يسعى ليقيم الناس على نص واحد جاهلاً  أو متجاهلاً بقية النصوص.

10- التصحر بضعف البعد في النظر، فتراه يستميت في تحقيق العمل بمستحب ولو على حساب ارتكاب محرم وتفويت واجب.

11- التصحر في الأخلاق فيسيئ الأسلوب في الطرح.

12- التصحر بالمراعاة لمنهج الداعم المالي، فتراه يدعو حسب رؤية الشخص الذي يدعمه بالمال.

13- التصحر بدافع الهوى، فتراه يصر على رأي يعلم بأن الصواب خلافه، على مبدأ ( عنـز وإن طارت).

14 – التصحر بسبب دافع تعمد الإضرار بالطرف الآخر بسبب خلاف بينهم!

15- التصحر بتضييع الوقت بلا فائدة، فتراه يعمد إلى حديث واحد مروي عن كثير من الصحابة، متواتر أو مستفيض أو مشهور، وينقله من الصحاح والسنن والمسانيد، والمصنفات والمعاجم والمستخرجات والأجزاء وغيرها، ليكثر تكرار الأسانيد ويضاعف من ذكر الصفحة والأرقام، ويخرجه في كتاب ويطبعه وينشره! وفي الأخير هو حديث واحد رواه البخاري ومسلم أو أحدهما، ولا يتعرض لأي فقه مستنبط من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

والدعاة المتصحرون يختلفون في الابتلاء بهذه الأسباب بين مستقل ومستكثر .

ثانياً: التصحر في المدعوين، فإنه يكون بأسباب منها التالي:

1-   التصحر  بسبب الجهل، قال الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَالَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّايَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) سورة يونس آية 39  وفي المثل: ( من جهل شيئاً عاداه)

2- التصحر بسبب الغضب، كما تقدم، فيصرفه الغضب عن الاستجابة للحق.

3- التصحر بسبب النفاق، فيمتنع عن الاستجابة للنصيحة بمبررات المنافقين، ومنها نفاق العلمانيين المنصاعين لإملاءات أعداء الإسلام.

4- التصحر بسبب فساد النية.

5- التصحر بسبب ضعف العلم بالعاقبة التي يحذر منها العلماء الناصحون، والله يقول: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) سورة الأنفال آية 25‏ .

6-التصحر في الأخلاق فيسيئ الاستجابة بسبب سوء الخلق.

7- التصحر بالمراعاة لمنهج الداعم المالي، فتراه يأبى الاستجابة للحق انصياعاً لرؤية الشخص الذي يدعمه بالمال.

8- التصحر بدوافع الهوى، فتراه يصر على مخالفة الصواب، على مبدأ ( عنـز وإن طارت).

9 – التصحر بسبب دافع تعمد الإضرار بالطرف الآخر بسبب خلاف بينهم.

10-التصحر بسبب الكبر والغرور، فيتكبر ويتعالى عن قبول الحق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( …..الكبر بطر الحق وغمط الناس) رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

والمدعون المتصحرون يختلفون في الابتلاء بهذه الأسباب بين مستقل ومستكثر .

بينما العالم الصادق في الدعوة إلى الله كالغيث حيث وقع نفع، والمدعو الصادق يتقبل الحق بصدر رحب، وذلك لا يكون إلا للمؤمنين، قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْل َالْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) سورة النور آية 52.

وبالله التوفيق.

( عيسى يحيى معافا)

  موقع لمن اهتدى