الثورات الشعبية التي بدأت من تونس

الثورات الشعبية
الثورات الشعبية
الثورات الشعبية

الثورات الشعبية التي بدأت من تونس وامتدت إلى غيرها، وهي في طريقها ربما لعدة دول وعدة مناطق، نسأل الله السلامة…

الحمد لله القائل: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون) والقائل سبحانه: ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) والقائل: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين) والقائل: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) والقائل: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله  وسلم عليه لا نبي بعده، ورضي الله عن آله الأطهار وصحابته الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار، وبعد:

لا تزال الأحداث الجارية التي نشهدها، وهي ما يدور في تونس وبدأت كذلك في مصر من الثورات الشعبية ضد الأنظمة مستمرة إلى وقت كتابة مقالي هذا، 29 شهر 3 عام 2011 ميلادي، حيث بدأت من تونس ومصر وليبيا واليمن، وتدور رحاها في سوريا والعراق، وتنتقل شرارتها من دولة عربية إلى دولة عربية، فمن قائل هو تغيير داخلي صنعته الشعوب مائة بالمائة، نتيجة الظلم والاستبداد وتكميم الأفواه، واحتكار الأموال والوظائف والأعمال، وقد ملت وكرهت الشعوب الثائرة حكامهم يطالبونهم بالتخلي عن الحكم ، وفي الحديث عن عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أم قوماً وهم له كارهون،…) الحديث ورد عن نحو سبعة من الصحابة وهو صحيح، وفي الحديث الآخر: عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاةرواه مسلم في صحيحه كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (4/ 2197)، رقم: (2865)، فيكون السبب في انطلاق الثورات هو الاستبداد والاستعباد وانتشار الفساد.

ومن قائل هو تغيير خارجي، القصد والهدف منه ما يسميه الغرب، صناعة شرق أوسط كبير، وذلك بعدة طرق ومنها التقرب إلى الشعوب، ومساعدتهم في رد بعض اعتباراتهم، فهو تغيير خارجي بدءا وتخطيطاً ودعماً لرؤساء أحزاب وشخصيات في الداخل، لهم صلة بهم، والهدف زيادة تشرذم وإضعاف المسلمين، واستغل ذلك من الداخل، وحصل له تطور غير متوقع، ولكل وجهة نظر ورؤية وتحليل، ولا شك أن الإسلام كما أنه يصنع الفرص التي تخدم المسلمين فهو أيضا يدعو  المسلمين إلى أن يبادروا في استثمار الفرص في صالح المسلمين.

وهنا أستعرض بعضًا من أدلة من يقول إنه تغيير داخلي، من أدلته التالي:

أنه انفجار تولد من رحم الضغط الظالم، من الحكام المستبدين، وهو ناجم عن شدة الظلم والطغيان والفساد الذي ارتكبته الأنظمة الدكتاتورية:(والضغط يولد الانفجار)، ومن الأدلة أيضا أن هؤلاء الحكام هم أفضل من ينفذ أوامر القوى الخارجية، وقد لا يجدون مثلهم، فكيف يسعون لإزالتهم! وهم يقومون بدور الشرطة للقوى الخارجية، ولهذا لو سئل أي متظاهر، ما الهدف من ثورتكم؟ لأجاب بقوله : نسعى لإزالة الدكتاتورية، ونريد تحقيق الحرية…. الخ.

أما أدلة من يقولون إن التغيير خارجي فهي أدلة كثيرة، منها: أنها ثورات سبقتها ما يسمى بوثائق الفضائح المتسربة والتي تم تسريبها من موقع ويكيلكس _ لزرع الحقد والعداء بين الشعوب والأنظمة، وتحريك التسويق الإعلامي وخصوصا (الفيس بوك) والذي من المعروف أنه يملكه يهودي،_ _ وكان ظهوره بجلاء مقترناً مع هذه الثورات، وهو من جملة الآلات التي تستخدم على حسب ضمير مستخدمها، ولكن صاحبته إشاعات مع هذه الثورات، وتبعه ( تويتر) وتحركت من خلالهما وخلال غيرهما من منصات التواصل دعوة إلى زلزال سياسي كبير يجري في المنطقة العربية، صرحت بذلك وسائل إعلامية إسرائيلية، وهي غير مكترثة لما يجري، ولا تحرك مندوبين لتفهم ما يدور، وكأنها تعلم به سلفاً، ولنا أن نتساءل إن كانت ما تسمى بإسرائيل غير مكترثة بما يدور حولها، وتمارس إجرامها واعتداءها ليل نهار على الفلسطينيين، لأنها أو ساستها من وضعوا الجدول مع المنظمة الماسونية التي تسعى لأجندة مدروسة تحقق من ورائها أهدافاً، ولا يضرها أن تكتسب أو تحقق شيئاً من المنفعة للمسلمين في بعض الجوانب، إن كانت المنظمة رابحة في مواصلة استعمارها، وتمكن للأعداء المصالح الكثيرة في المنطقة، ولو كانت تلك المصالح في الأمد البعيد.

قد استدل كذلك أرباب هذا القول بالدراسة التي أجراها الاستعمار من أن الجليد في القطب يتحول إلى ماء بسبب المناخ الحراري، وأن المناخ تغير، وبلدانهم مهددة بعدة كوارث، وأحسن مكان آمن للحياة الآمنة لهم وأجيالهم، مستقبلا هو البلاد العربية، لعدة أسباب منها نظرهم إليها أنها كانت وما زال أمنها المناخي واقعاً ملموساً، ومنها وجود البترول لتأمين الاقتصاد، ومنها السلامة من الزلازل المتوقعة في حسبانهم، ومنها الموارد المائية العذبة، والتي صرحوا في عدة دراسات أن المنطقة العربية غنية بالمياه الجوفية، والتي تحقق الحياة الآمنة، ومنها القرب مما يسمى بإسرائيل لبقائها والدفاع عنها، ومنها حسدهم للمسلمين، فينشرون ثقافاتهم وأخلاقهم وفسادهم، سعياً منهم لنشر الفساد، ولو بمسميات باردة مثل الثقافة والحرية والرقص والترفيه، قال الله تعالى: ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً) نسأل الله السلامة والعافية، وسوف يجعلون تلك المطالب الانحلالية تحت ذريعة ما يصطلحون عليه، واسموه بالديمقراطية من وجهة نظرهم، والحرية والسياحة والألعاب المتنوعة، والثقافة والترفيه، والحماية للمنطقة -زعموا- وغير ذلك، لأجل هذه الاعتبارات وغيرها من الاعتبارات يخطط الكفار أن يحتلوا البلاد العربية أكثر مما هم عليه الآن، ويؤمنوا مستقبلهم ومستقبل أجيالهم، ليظلوا مستعمرين لها وينتقلوا إليها بحضور أكثر متى كانت الظروف مواتية، وإن كانت هذه أهداف هامشية إذ أن الهدف الكبير هو محابة الإسلام بكل الوسائل كما قال الله تعالى في فضحهم : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .

من تلك الأدلة على أن سياستها وافدة من الخارج أن تجارة السلاح ومصانع الأسلحة المكدسة لا بد لها من أجسام واجساد تنفجر فيها سواء للتجارة أو التجارب، ولا أحسن عند الأعداء من الأجسام والأجساد الإسلامية وخصوصاً العربية فالقرآن عربي وخاتم النبيين عربي، وبتعاون من دول الفيتو أو بعضها أو مع من يدور في فلكها لتقاسم المصالح وإذلال الشعوب.

يستدل أيضا على ذلك بأن كل ما يجري من ثورات هي تغييرات لا تخرج عن سيطرة الأعداء في النهاية، فزمام المبادرة بل تبقى أزمة الأمور بيد الأعداء وهم مستفيدون من ذلك بقتل عدد من الشباب المسلم والعربي سواء من الشعوب أم من الأنظمة، تزهق أرواح وتراق دماء، وتهدر أموال، وتهبط المنظومة الاقتصادية، ويشاع التشجيع على الهجرة لبلاد الكفار وتهاجر عقول إسلامية وعربية وأطفال يستغلون لعدة نوايا خبيثة وتقوم سوق تجارة البشر وأسواق الجنس وغسل عقلول الأطفال العرب في الكنائس ليكونوا معاول هدم قادمة، ولتحل في بلاد أوروبا وتمسخ عادات ويتبلد الإحساس ويتفاجأ الجيل المسلم الذي كان يتنامى في بلاد المساجد فإذا به في بلاد الكنائس وتسوق الأسلحة وتعمل المصانع للأسلحة ليعيش موظفوها، والتي يختص بصناعها الكفار فقط، وتبقى قوى الاستعمار كما هي دون تغيير، بل وتزداد وتسقى شجرة قوتهم بضعف الأمة الإسلامية.

قد يحصل شيء من التنفس للشعوب العربية ليكون ذلك أيضاً يضيف فائدة في حسابات الأعداء، وهي محبة الشعوب للقوى الأجنبية أنها ديمقراطية، وتحقق الحرية، وتدافع عن الشعوب، وتعيد لها اعتبارها وكرامتها زعموا! ولكن في المقابل تشتد قبضة الأعداء ويذهبون بأضخم اقتصاد البلدان من الأموال الطائلة، والتي يتولون استثمارها لتبقى القوة الاقتصادية عندهم، لأن (وراء كل مال استعمار)، وقد يعلن عن تجميد لأرصدة لأي اعتبار من الاعتبارات، كامتصاص غضب الشعوب، ولديهم الخطط لثوارت مضادة لثورات، نسأل الله أن يجعل كيد الأعداء في نحورهم ويكفينا شرورهم.

كما أنهم أرادوا بهذا المتنفس أيضاً أن ينضب تيار الفكر الحماسي المتشدد، ويتلاشى وينتهي فكر من أطلقوا عليهم مسمى الإرهاب، الذي يعتبرونه ضد ما يسمونه بالحضارة، بناء على فكرة (افتح المحبس الوسط يغلق تلقائياً المحبس الأعلى، وإذا فتحنا المحبس الأدنى نضب المحبس الأوسط)!.

إن النصوص التي تخبر عن ملاحم تحصل بين المسلمين والكفار لا يمكن تصورها إلا بتواجد متقارب أو مختلط بين المسلمين والكفار، مع إقرار كل عاقل عموماً وكل مسلم خصوصاً أن نتائج الأمور تبقى مجهولة لدى الخلق، لأنه لا يعلم ما في غد إلا الله الخالق وحده لا شريك له، مهما حاولوا تقديرها وتقنينها، وإن حصل شيء من ذلك لكنها لا تتطابق من كل الجوانب حسب ما يريدون، إذ أنه يجب الإيمان بسنة التغيير التي يريدها الله قال تعالى: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) وقال تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).

تلك الدول الأجنبية حين أصيبوا بالأزمات الاقتصادية، وقتل جنودهم في العراق وأفغانستان، وطلبوا من العرب المشاركة في القتال فوجدوا تلكؤاً في الكثير منهم، فقالوا لماذا ما نجعلها في وسطهم إذا استفدنا وقوع حروب أهلية وأزمات في وسط الدول العربية، وحتى تتقوى قبضتنا على الثروات وتسوق أسلحتنا، وتتنامى الحروب الطائفية والنزاعات في وسط العرب، ويتم التجديد للإستعمار في صالحنا! ومما يقوى هذا الجانب أننا لا نجد أي نزاع مشابه لهذه الثورات في الدول الأوربية أو الأعجمية، أو حتى غير المستهدفة!

أما الشعوب العربية فقد وجدوا الفرصة المتاحة التي ينتظرنها، وتنادوا بأنها فرصة قد لا تعوض، فركبوا الموجة، والكثير منهم محسوبون لدى الكثير من المخلصين حين خرجوا سعياً في إرساء العدل ونشر الصلاح ومحاربة الفساد، وقالوا هذه أحسن مناسبة لنقوم بدورنا في إبلاغ ما أوجب الله علينا، والكثير منهم إنما خرجوا لأجل الموافقة لمن يتوسمون فيهم الصلاح، وقلدزهم كما يقلد الأطفال آباءهم، وكما يقلد الطلاب أساتذتهم، والبعض دفعهم إلى ذلك مصالح مكتسبة حالاً أو موعودة مآلاً، وأصبحوا سيلاً جراراً، فانجر معهم كثير من الهمج الرعاع، ومن الجهلاء وحتى الأطفال والنساء، وخرجوا يعبرون عن رغبتهم تحت إشاعة المناداة بتحسين الوضع، ومحاسبة الرؤساء والإطاحة بالأنظمة، وليخرج صاحب النصيحة نصيحته وليخرج صاحب الحقد حقده وليخرج صاحب المطالب مطالبه، وليخرج صاحب الانتقام انتقامه، وليخرج صاحب الاحتجاج احتجاجه، وليظهر صاحب الكلمة كلمته، ولا يشك عاقل أنه اندس كذلك في تلك الثورات أناس يعملون لحساب الطابور الخامس.

لا ننسى أن المنطقة قد استعمرت قبل قرون من البرتغال والفرنسيين والبريطانيين وغيرهم، فما الذي يضمن -ولا يزال الكلام لمن يرى ويستدل أن التغييرات وافدة- ألا تكون هذه الثورات المفاجئة الغرض منها البدء في الانقضاض على تقاسم الكعكة، ويخلو الجو ليقوم الصهاينة بهدم المسجد الأقصى المبارك، وتكون ردة الفعل من المسلمين ضعيفة، لا سيما ونحن نرى القوى الأجنبية في أمريكا وأثرياء اليهود، وأروبا ومن يدور في فلكهم يستخدمون الأساليب والأوراق التي تجعل الشعوب تستغيث بهم وتستنجد بهم، وتنتظر القرارات من مؤتمراتهم وقوانينهم، والكل يشاهد وسائل الإعلام أنه بمجرد أن يقوم أحد أولئك بمؤتمر تقطع برامجها وبثها، لتوجه كافة المشاهدين والمستمعين إلى ما يقوله، وما يجيب به عن أسئلة الصحفيين!

قد بات معلوماً بشهادة الوحي المنزل من عند الله، ثم بشهادة التاريخ أن الأعداء وبالأخص اليهود الصهاينة يسعون ليل نهار لزرع وبقاء النزاعات والاختلافات، والحروب الطائفية، والمذهبية والحزبية والثأرية، والتشرذم في البلدان المسلمة، ويريدون بوسيلة وأخرى تنفيذ جريمة هدم المسجد الأقصى المبارك، وليس هذا فحسب بل يسارعون لهدم الأخلاق الإسلامية وزرع الفرقة بين المسلمين بحيث يعودون ليقربوا البعض ويبعدون البعض ويدعمون المقربين لضرب المبعدن ، والعمل على تجميع نخبة من المسلمين في بلدة ورميهم بشماعة الإرهاب التي هي بمعايير أعداء الإسلام، والقيام ببناء تحالفات ضدهم، وضربهم بأسلحة فتاكة وحرقهم وهدم المنازل على رؤوسهم رجالاً ونساء وأطفلاً، مع ادعائهم زوراً القيام بحقوق الإنسان!

كما يثيرون أموراً تشغل الأمة الإسلامية عموماً والعربية خصوصاً، فكيف والحالة ما ذكر يرجى منهم نصر وولاء للمسلمين، فيجب على المسلمين أن يطلبوا النصر من الله وحده، وبالأسباب التي تؤهلهم لا ستحقاق النصر من ربهم، وصدق الله عز وجل قال تعالى: (.. وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) وقال تعالى: ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون) وقال تعالى: ( ولا تركنوا إلى الذي ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون، وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرص إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) فسبحان الله الذي جعل كلامه معجزاً، فهذه الآيات تصور لنا المشهد بوضوح وبكل بلاغة وإعجاز.

الذي أريد أن أقول: إن الأمة الإسلامية مكتفية من ناحية القوة الدينية والمنهجية الإسلامية في الوحي المنزل من السماء، وهو القرآن والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وإنما تحتاج الأمة الإسلامية إلى العمل الصالح المتطابق مع ذلك المنهج من الوحي المعصوم، وأن يعتصموا بحبل الله جميعاً، (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم).

ومهما يكن من أمر فما هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به المسلمون، في هذا المعترك؟! أقول ينبغي استغلال الفرصة للكلام بالحق، واستغلال الفرص، يتمثل في أمور منها على سبيل المثال، عقد لقاء في الرابطة الإسلامية، أو مجمع فقهي يدعى له كافة أو أكثر العلماء،الذين تجردوا لقول الحق، بعيداً عن كل الضغوط والمراهنات، ليتبادلوا الرأي والشورى في المصير الصحيح، وسيستدعون الظروف ويحللون المسائل، وينظرون في ترجيح المصالح، فيأخذون أعلى المصالح ولو بارتكاب أدنى المفاسد، أقول هذا وأنا أتفاءل بعودة الملكية للقرارات إلى المسلمين، لا سيما العلماء والعقلاء منهم، فعسى أن يكون قريباً.،وقد أرشد الله عباده إلى العودة إلى العلماء العقلاء المصلحين في حل الأمور وبالأخص الأمور العامة قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُم أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونه منهم) الآية.

هذا وعلى المسلمين أفرادا وجماعات من علمائهم وعقلائهم كل في دوره، من استطاع منهم أن يستغل الفرصة لإصلاح ما، ولو جزئياً، بدءً بصلاح نفسه، ثم دعوة الآخرين، وبطرق مدروسة ومستوعبة يستيقن فيها أو يغلب على ظنه ترجيح المصلحة، فمن توفرت له هذه الاعتبارات من المسلمين فقد وجب عليه القيام بذلك، (وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز)، وقد جاءت آية في كتاب الله في سورة النور جامعة لأسباب النصر والتمكين، وهي قول الله تعالى: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

ولا شك أن رحيل العملاء من العلمانيين والملحدين، في أي بلد كانوا وغيابهم عن مشهد التحكم في مصير الشعوب أمر يصب في مصلحة المسلمين، في كثير من الأحوال، أو في جلها إن لم يكن في كلها، ولا شك أن ألف خطوة تبدأ بخطوة، لكن أقول هل هذا البديل هو خلافة إسلامية راشدة على منهج النبي صلى الله عليه وسلم؟! نسأل الله أن يكون ذلك أول خطوة للوصول إلى العمل بما يرضي الله.

ولا يخفى أنه قد علم واقعياً أن القوى المسيحية تسعى لدعم التواجد المسيحي والذي هو منتشر في مصر وسوريا والسودان ولبنان والعراق وفلسطين والأردن، كدول عربية، فإذا أثبتوا تواجدهم الكبير سينادون بدستورهم وإضافة كنائس إلى الموجودة، ويشاهد تكرار زيارات ما يسمى عندهم بالبابا، والذي ترافق تحركاته وسائل إعلامية تفخم أمره المنحط،  ويعتبر تقسيم السودان الذي جرى بين شماله وجنوبه من أوضح الأدلة على هذا الاتجاه التنصيري، ولا يخفى ما الثروة التي يملكها أعضاء الكنائس المسيحية والدعم للتنصير في إفريقيا وغيرها كنموذج لغيرهم من كبار الأثرياء، لدعم التنصير، وعلى حسب قوة تعاونهم مع اليهود فسينادون أيضاً بالحضور اليهودي سعياً لتحقيق أهدافهم، نسأل الله أن يجعل كيدهم في نحورهم ويكفينا شرورهم.

كما أن هناك خطة تجري لخلق مواجهة ضارية بين السنة والشيعة يزعم أرباب الأطماع أن يستثمروها في صالحهم، ويقضي المخطط الغربي بإدخال منطقة الدول العربية كلها في صراع وقوده السنة والشيعة، وإذكاء نار الخصام ولهيب الاقتتال بفتيل الطائفية والمناطقية والمذهبية والقبلية للمصلحة الغربية التي امتزجت بالسياسة الصهيونية التي ترى أنه يجب أن يبقى المسلمون في ضعف وتمزق، واستغلوا خطر المذهب الرافضي الممجوج، والذي لا يخفى فساده وخطره على منهج المسلمين ليكون وسيلة لبقاء دوامة الحروب.

كما يشكل مسؤولو وتجار تصنيع وبيع الأسلحة من الماسونية وعملائهم في أمريكا وروسيا وكوريا وإيران وغيرها عائقاً لأي تسوية، إذ يمنعون أي استقرار في مناطق الحروب كما هو الحال في اليمن والشام وغيرهما بغية مواصلة الاتجار  وجني الأرباح من خلال الحروب الطائفية، وعندهم خطط مع عملاء لهم في الداخل والخارج لصناعة حروب في بلدان عربية كثيرة مرشحة لذلك، ومن أعظم أدوات صناعة الحروب إنعاش الطائفية وتشجيع الجارودية والاثني عشرية والرافضة ضد المسلمين أهل السنة، وصناعة الأحزاب والخراب، ويساعدهم على ذلك وجود سذج مرتهنين من العرب، فويل للعرب من شر قد اقترب إن لم يستيقظوا من غفلتهم

ومهما يكن من شيء فثقتنا بالله عظيمة، ويجب أن تبقى الثقة بالله في قلوينا عظيمة، قال تعالى: ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره) وقال تعالى: ( والله من ورائهم محيط) وقال تعالى: ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون).

هذا وإن كان فيما يظهر  أن الخطة المعدة من أعداء الإسلام والمسلمين لهذه الثورات الشعبية أنها تضيف إلى تضاعف الأحزاب في المنطقة تضاعفات أخرى، وتظل النزاعات والشقاقات مستمرة، تفعيلاً لمبدأ ( فرق تسد)، وأن اليهود يريدون إشغال الشعوب والحكومات العربية بالتحديد، لقرب العرب من فلسطين، ولأن فلسطين عربية، والتخطيط جاري على قدم وساق لهدم القدس، فتكون الحكومات العربية مشغولة بشعوبها والشعوب العربية مشغولة بالأنضمة، وتنفذ ما تسمى بإسرائيل جريمة هدم المسجد المبارك، وإقامة الهيكل المزعوم، إلا أنه ينبغي أن لا يغيب عنا أن الأعداء قد يريدون مكراً بالمجتمعات المسلمة، فينقلب الأمر، ويصير حسرة على الكافرين، ويدب في قلوب الشعوب المسلمة الحب للنضال والجرأة في تنامي المقاومة، وينكسر حاجز الخوف، ولذلك كثير من الأمثلة  التي خيبت خطة الأعداء على مر العصور وكر الدهور، ولا يزال تأريخها مكتوباً في ذاكرة المهتمين بالتأريخ ، وأنه لا يوجد مانع من يقظة الشعوب الإسلامية،  من جاكرتا أندنوسيا شرقاً حتى الرباط في المغرب العربي، ومن أنطاكيا حتى أرخبيل جزر القمر، بل ويقظة الأقليات الإسلامية في مختلف بقاع الأرض.

كما خلقت تلك الثورات في قلوب الشعوب المسلمة محبة غير مسبوقة للمقاومة، وكسرت حاجز الخوف، ويذكرنا ذلك بقول الله تعالى: ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب …. ) الآيات وبقوله عز وجل (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم)، فيكون الأعداء أرادوا بها التفريق فإذا هي تنتج التوفيق، وأرادوا بها زرع الاختلاف فإذا بها تحدث الحب والائتلاف، وأرادوا بها المحنة فإذا بها منحة،

ولله مشيئة كونية وشرعية تتجلى في كل ما يجري في الكون، لا نحكم أنه شاءها إلا بعد تحققها في الواقع، ولله الأمر من قبل ومن بعد ولا راد لحكمه، ولا غالب لأمره سبحانه وتعالى عما يشركون.

كتبه / عيسى بن يحيى معافا شريف