أيها الناس: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قرأ في خطبته قول الله تبارك وتعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) وإن في هاتين الآيتين لموعظة عظيمة وتوجيه تربوي، فهو نداء من الله لأهل الإيمان وأمر بالتقوى والقول السديد، وإن الجزاء من الله في قوله تعالى: (يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم) ومن كان هذا حاله فهو طائع لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتحقق له الفوز العظيم.
قد يقول قائل ما هو القول السديد؟ إن القول السديد يا عباد الله في قراءة كلام الله وتلاوته وتدبره وترتيله والإكثار من ذكر الله والاستغفار والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول الحق والعدل والإصلاح بين الناس والتمسك بالحكمة (ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)، القول السديد هو القول اللين والبشرى والفأل بالكلمة الطيبة، وبالمقابل فالقول السديد يمنع كل الأقول الخبيثة فالمفهوم من الأمر بالقول السديد التحيم للكذب والغيبة والنميمة والزور والبهتان والنشر للشائعات بأنواعها لا سيما الإشاعة الحاقدة.
أيها الناس: لقد أمرنا الله عز وجل أن نستمك من الأقوال بخيرها, ومن العبارات بأطيبها، فقال سبحانه:( وقولوا للناس حسناً). أي: قولوا لهم خيراً، وذلك بالقول الحسن والكلام الطيب، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على قول الخير في كل الأحوال والأوقات, وربط ذلك بالإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فقال صلى الله عليه وسلم:( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). فالمرء إذا أراد أن يقول قولاً فليفكر فيه قبل النطق به، فإن علم أن قوله يؤدي إلى خير فليتكلم، وإن كان غير ذلك فالسلامة في السكوت.
وقال عز وجل: ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم)، وعند التحدث مع الأم والأب، قال تعالى:( وقل لهما قولاً كريماً). أي جميلاً ليناً لطيفاً كأحسن ما تجد من القول مع أدب جم، وتوقير وتعظيم وتواضع لهما، وإحسان إليهما.
ونستذكر الطيب من القول حتى عند زيارة المريض أو الميت، قال صلى الله عليه وسلم :( إذا حضرتم المريض فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)، رواه مسلم عن أم سلمة وفي الحديث الآخر ( زوروا القبور ولا تقولوا هجراً)، رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه، ومعنى لا تقولوا هجراً أي لا تقولوا قولا سيئاً يسيء إلى عقيدتكم أو أخلاقكم .
وعند الصلح بين الناس يقول المرء خيرا حتى يتسامح المختلفون، وتهدأ النفوس، وتتصافى القلوب، وإن قوله صلى الله عليه وسلم: ( فليقل خيراً). توجيه يعطي حساً إيمانياً، يصل إلى المراقبة الدائمة لله عز وجل في جميع الأقوال، فلا يقول المؤمن إلا خيراً، فتفتح له أبواب الخيرات، ويزداد من الحسنات، لأن قول الخير من أفضل الصدقات، قال صلى الله عليه وسلم :(والكلمة الطيبة صدقة).
أيها المسلمون: ويعظم القول بعظم منزلة صاحبه وقائله, فقول العلماء له تأثيره, فهم يقولون الخير ويظهرونه للناس, وهم قدوة للآخرين، وكذلك خطبة الجمعة تحمل معنى الخير، وتذكر المستمعين بالمعاني العظيمة للدين العظيم، والمعلم يوجه طلابه وتلامذته إلى قول الخير وفعله، وهو أسوتهم قولاً وعملاً في المجتمع، وإن الرجل مع زوجته وأولاده يختار من الأقوال أحسنها, ومن الألفاظ أعذبها, فالموفق من استحضر مسؤوليته عن كلامه، والتزم بحسن أقواله؛ ليغلق على الشيطان مداخله، حتى لا يفسد عليه أفعاله وأخلاقه، قال تعالى:( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً).
هل تعقل هذا التوجيه أصحاب الإعلام وحملة الأقلام وأرباب الصحافة والأخبار ومرتادوا منصات التواصل الاجتماعي ، فالله تعالى أمر المؤمنين أن يقولوا قولاً مستقيماً نافعاً، ووعدهم أن يثيبهم عليه بأن يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم. فيكونوا من الفائزين بجنات النعيم، وقال تعالى: ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن في الجنة غرفا، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال:( لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. أي تكلم بكلام طيب، وخاطب الناس بلين ولطف، وتجنب الغلظة في القول.
أيها المسلمون، إنه يجب أن نربي أنفسنا وأبناءنا على قول الخير عند الحديث مع الأهل والأصدقاء والجيران والمجتمع، فإذا نطقوا نفعوا، وإذا سكتوا غنموا، فقد أفلح من ضبط لسانه وزان كلامه، وقام بالتثبت من صحة الأقوال والأخبار، وعدم تناقلها وترويجها بغير وعي ولا دراية، ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله أنه قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( وهل يكب الناس فى النار على وجوههم- أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وغيره بسند صحيح.
وفي الحكمة، إنك لن تزال سالماً ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك). والمراد بحصائد الألسنة: جزاء الكلام وعواقبه؛ فإن الإنسان يزرع الحسنات والسيئات بقوله وعمله، ثم يحصد ما زرع يوم القيامة.