أيها الناس لقد جعل الله تبارك وتعالى السنة اثني عشر شهراً منذ خلق السموات والأرض، وجعل في تلك الأشهر أربعة أشهر ونحن في بداية الثلاثة المتتابعة منها، وقد وصفها الله بأنها الأشهر الحرم وحرم سبحانه الظلم بأنواعه الاعتقادية والفعلية والقولية وكل أنواع الظلم تنتهي إلى ظلم النفس، قال عز وجل ( إن عدة الشهور عند الله اثناعشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) وقوله (فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) يعود إلى الشهور كلها، أي تلك الشهور التي قدرها الله منذ خلق الكون ثم خلق الناس وجعل لهم أعماراً متفاوته ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم) وهنا لفتة بلاغية قرآنية نستفيدها من سياق النص وهي أن الظلم محرم منذ خلق الله الكون.
أيها المسلمون: إن من أشدِّ المظاهر الاجتماعية فتكًا بالإنسان, ومن أرذلها مسْلكًاً, ومن أقبحها موْردًاً, ومن أعنفها تأثيرًاً في الحياة الإنسانية في الخاصة والعامة: ظاهرةَ الظلم, سواءٌ كان الظلم بين العبد وخالقه أو بين العبد والناس أو بين العبد ونفسه، وكلها تعود إلى ظلم النفس فإن الظلم ذنب عظيم ، وإثم مآله وخيم، هو سبب الفساد والإفساد ومضلات الفتن والإلحاد، ومتى استفحل الظلم ذهبت النعم وحلت النقم عياذاً بالله، ثم اعلموا عباد الله أن الإنسان حين يرتكب الظلم فإنما يضر نفسه قال الله عز وجل ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) وقال: ( وما ظلمونا ولكن أنفسهم يظلمون) وقال: ( ولن يضروا الله شيئاً) وفي الحديث القدسي ( إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)
فقيامك بالظلم أيها الإنسان يعود وباله عليك، تذهب به حسناتك وتتحمل بسببه سيئات من تظلمهم، ولا ينفعك أقرب قريب كما يدل على ذلك قوله (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) وقوله ( وقد خاب من حمل ظلماً) (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) نعم قد يضر الظالم إنسانا في الدنيا ولكن المظلوم ينتفع في الآخرة والظالم يضر نفسه .
اعلموا أن الظالم ملعون والملعون مطرود من الرحمة قال تعالى: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) اعلم أيها الظالم أنك إذا تسببت في إفساد دنيا المظلوم بظلمك له فقد أفسدت بذلك آخرتك، ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) والمظلوم دعاؤه مستجاب، يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ، ويفتح لها أبوابَ السماء ، ويقول لها الرب : وعزَّتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعدَ حين) أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ، وفي الصحيحين عن معاذ وابن عباس رضي الله عنهم( واتق دعوة المظلون فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (إنَّ اللهَ لَيُملي للظالم ، حتىٰ إذا أخذَه لم يُفلِتْه) ثم قرأ : ( وكذلكَ أخذُ رَبِّكَ إذا أَخَذَ القُرَى وهي ظالمة إنَّ أخذَهُ أليمٌ شديد) متفق عليه كفى بخبر القرآن والسنة واعظاً قال تعالى: ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) عن أبـي ذَرَ الغِفَارِيِّ رضي الله عنه ، عن رسولِ الله صَلَّـى الله عَلَـيْهِ وَسَلَّـمَ ، عن الله عَزَّ وَجَلَّ أنه قالَ : (إنِّـي حَرَّمْتُ الظُّلْـمَ علـى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَـيْنَكُمْ مُـحَرَّماً ، فلا تَظَالَـمُوا ” أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)
ألا وإن من أنواع الظلم ، أكل أموال الناس بغير حق ، والإساءة إليهم ، وإيذاؤهم والبذاءة في معاملتهم ، والتطاول عليهم، وسبهم وقذفهم، فذلكم ظلم كبير، وشر مستطير، وعدوان خطير، صاحبه مفلس، ظالم منتكس، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللّهَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( أَتَدْرُونَ مَن الْمُفْلِسُ ؟ ) قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ فَقَالَ : ( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي ، من يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي وقَدْ شَتَمَ هَـٰذَا ، وَقَذَفَ هَـٰذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَـٰذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَـٰذَا ، وَضَرَبَ هَـٰذَا ، فَيُعْطَىٰ هَـٰذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَـٰذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَىٰ مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) أخرجه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه ) أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد جيد ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصرة المظلوم، فقال: ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا عرفنا نصر المظلوم فكيف ننصر الظالم؟ قال أن تأخذوا على يديه وأن تمنعوه من الظلم وأن تأطروه على الحق أطراً)
الا وإن من شؤم الظلم أن يسبب عموم الفتنة قال الله: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )
وأقبح الظلم وأشنعه الشرك بالله, كما قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، ومن الكبائر الظلم بين الناس, بتعدي بعضهم على بعض في الحقوق والواجبات, كما قال الله تعالى: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ)، والظلمُ بين العبد وبين نفسه, كما قال الله تعالى:( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّـنـَـفْسِهِ). فكل صور الظلم محرمةٌ على العباد, كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: ( يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ). أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم….
الخطبة الثانية:
وقد توعَّد الله تعالى الظالمين في كتابه بما يخلَعُ القلوبَ, ويكُفُّ النفوس عن الظلم فقال سبحانه وتعالى:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ) ، وقال: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْـمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا )، (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) ، (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّـهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْـجَحِيمِ )، ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) ، ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً * يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً)، روى الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) وفي الخبر :( لا تكونوا إمعةً، تقولون إن أحسن الناسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسنَ الناسُ أن تُحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا)
ولقد أحسن من قال:
لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتــــــدراً فالظلمُ آخِرُهُ يأتيـــــــكَ بالندمِ
نامت عُيونُك والمظلومُ منتــــــبِهٌ يدعو عليكَ وعـــينُ اللهِ لم تنــمِ
الظلم منبع الرذائل والموبقات ، ومصدر الشرور والسيئات، فكل سيئة مصدرها الظلم كما أن كل حسنة مصدرها العدل ذلك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه