احذروا موانع المغفرة

خطبة مكتوبة بعنوان ( احذروا موانع المغفرة)  13 شعبان 1437 هجرية

الحمد لله…..

إنه ما من مسلم عاقل واع لبيب إلا ويبحث عن أسباب المغفرة ويحذر كل الحذر من كل سبب يحجب عنه المغفرة، فكما أن ثم أسباباً للمغفرة فكذلك توجد أسباب لمنع المغفرة عياذاً بالله، ومن تلك الأسباب الخطيرة التي تحجب المغفرة الشرك والشحناء، وقد ورد في الحديث المروي عند الطبراني وغيره بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تبارك وتعالى يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لمشرك أو مشاحن) وفي رواية (إذا كان ليلة النصف من شعبان اطّلَعَ الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه) وقد رواه ابن ماجه والطبراني والبيهقي وغيرهم عن جماعة من الصحابة بطرق مختلفة يقوي بعضها بعضاً وهم: معاذ بن جبل وأبو ثعلبة وعبد الله بن عمرو وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبو بكر الصديق وعوف بن مالك وعائشة رضي الله عنهم.

كذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال دعوهما حتى يصطلحا) وفي لفظ ( أنظروا هذين حتى يصطلحا) وفي لفظ ( اتركوا هذين حتى يصلحا)

 

وكذلك ورد في الحديث الذي رواه  أما الشرك بالله فمعروف خطره لأنه أعظم الذنوب وأقبحها على الإطلاق، فهو يحجب المغفرة عمن لم يتب منه، قال تعالى: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فمن مات على الشرك حرم المغفرة وحرم الجنة، وقال تعالى: ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)

ومن موانع المغفرة الشحناء كما في الحديث المذكور، فخذوا حذركم عباد الله من الشحناء والبغضاء والتهاجر والتخاصم، وكذلك احذروا الأمور التي تصنع الشحناء والبغضاء كالنميمة والغيبة والقذف والكذب والزور وسوء الظنون لن تكون أوطانُنا آمِنةً، نواحِينا محروسةً، وأحوالُنا مُنتظمةً إلا باجتماعنا وتحادنا وائتلافِنا، ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46].

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا تَقاطَعوا، ولا تَدابَروا، ولا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا كما أمرَكم الله”؛ أخرجه مسلم.

ليس أروح للمرء ولا أطردُ لهمومه ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب مبرأ من وساوس الضغائن ونيران الأحقاد ، وليس أمرض للقلب ولا أتلف للأعصاب ولا أوجع للروح من أن يمتلئ القلب حقداً والنفس كرهاً والروح نفرةً وشحناء . وقد قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : (( كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ، صَدُوقِ اللِّسَانِ ))  قَالُوا : صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ : (( هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ ، لاَ إِثْمَ فِيهِ ، وَلاَ بَغْيَ ، وَلاَ غِلَّ ، وَلاَ حَسَدَ )) [ابن ماجه] والخصومة إذا نمت بين المسلمين وغارت جذورها وتفرعت أشواكها أخذت بالإيمان وعكّرت عليه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ )). قَالُوا بَلَى. قَالَ (( صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِي الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ )) [الترمذي واحمد وأبو داود]

لعل الشيطان لا يستطيع أن يجعل من الرجل فينا عابد صنم فيلجأ إلى التحريش بين الرجل وبين أخيه موقعاً بينهم البغضاء والشحناء  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْه لم ييأس من التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))

لهذا أيها الإخوة : والله اعلم كانت ليلة النصف من شعبان التي نستقبلها ممهدة لرمضان بالمغفرة ما خلا اهل الشحناء والخصومة والبغضاء ، وفي هذا دعوةٌ لكلٍ منا أن يراجع نفسه فيصل من قطعه ، يمسح من صدر ه الأضغان حتى يستقبل رمضان بقلب سليم . خاصة إذا كانت هذه الشحناء واقعة بين اخوين أو بين ابنيين أو بين زوجين أو بين ذَوي رحم أو بين صديقين أو جارين أو شريكين . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقاطعوا ولَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تحاسدوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا )) [البخاري] والإنسان قد ينشب بينه وبين رجلٍ خصومة وهو في هذا احد رجلين إما أن يكون ظالما وإما أن يكون مظلوما . فليراجع احدنا نفسه ، فإن كان ظالماً أو معتدياً على حق أخيه فقد أمره الإسلام أن يرد الحق لأهله ويطيب خاطر صاحبه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضٍ أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم إن كان لهُ عملٌ صالحٌ أُخذَ منهُ بقدرِ مظلمته وإن لم تكنْ لهُ حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه )) [البخاري]

 

وقد دعا الله المؤمنين إلى حراسة قلوبهم والمحافظة عليها من الأمراض والآفات وأمراض القلوب وآفاتها كثيرة تزيد على أربعين مرضاً وآفة وفي هذا المقام نذكر من باب النصح لأنفسنا ولإخواننا حفظهم الله كلمة حول إصلاح القلوب والمحافظة عليها من الشحناء والبغضاء والحقد والحسد الذي يحصل بين المؤمنين      ولا ينجو من ذلك إلا من عظمت عنايته بقلبه

اللهم آت نفوسنا وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها