ماذا يفعل الإنسان إذا فقد الثقة في نفسه؟

السؤال : شيخنا الفاضل لدي سؤال، أرجو منكم الإفادة:

سؤالي: ماذا يفعل الإنسان إذا فقد الثقة في نفسه, وفيمن حوله, وفي أقرب الناس إليه؟!

ماذا يفعل إذا أضحى يحس بأنه وحيد في هذا العالم، وأنه لا مجال للثقة في أي شخص في هذه الحياة، لدرجة تصل أحياناً والعياذ بالله إلى التفكير في الموت وتمنيه.

أرجو منكم المساعدة وجزاكم الله عنا خيراً وأبقاكم ذخراً لنا.

لا تنسنا يا شيخ من صالح دعائكم.

____________________________

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لخير العمل وعمل الخير، وندعوه سبحانه أن يحقق لنا ولكم الصدق والإخلاص في كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة،

وبعد: بخصوص سؤالك عن الذي وصل إلى فقد الثقة في نفسه وفيمن حوله وفي أقرب المقربين، فأقول مما لا شك ولا ريب فيه أن الإنسان الذي يتمتع بعقل سليم يدرك ويعلم أن عنده أسباباً ومقومات تصرفه عن هذه الأفكار المهينة والمنحطة، ويدرك تماماً أن عنده مقومات الرقي التي تجعله يستعيد تقته في نفسه وفي كثير ممن هم حوله، و يمكن أن يغير ما بنفسه بوسائل الإقناع والعزيمة القوية، والقصد الحسن، وقد قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} سورة الرعد آية 11، فهذا كلام الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهذه حقيقة قرآنية ثابتة، والتغيير المراد هنا هو تغيير ممكن التحقق وليس مستحيلاً لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحتاج إلى سبب خارج عن الاستطاعة، لأن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها.

بناء على هذا أقول: لا يجوز لأي مسلم عاقل أن يهن ويحزن ويكون مستكينًا ومستسلمًا، وينتظر المعجزات الخارقة التي تنتشله مما هو فيه، أو يقول إنه سيستسلم للقدر  قبل حصوله! بل لا بد أن يبادر ويأخذ بالأسباب، ويسعى إلى إرادة التحسن، حتى يقنع نفسه بأن لديه قابلية لأن يتخذ خطوات إيجابية، وأن يكون جاداً في اتخاذ تلك الخطوات الثابته شرعاً وعقلاً ، فالله جل وعلا يقول: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) سورة آل عمران آية139وقال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) سورة محمد آية 35  لسنا مع الذين تجدهم ينظرون إلى الأمر الممكن تغييره ويقولون:  هذا لا يمكن أن يتغير ! نقول لهم بل يمكن أن يتغير، لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء أسباباً تتاح بها سبل التغيير، وكثير من تلك الأسباب تأتي من خلال أن نستفيد من طاقاتنا الداخلية المختبئة لدينا.

كذلك لا يجوز لمسلم أن ينظر إلى الناس أنهم هلكى ولا توجد أدنى ثقة فيهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من قال هلك الناس فهو من أهلكهم) هذا الحديث رواه مسلم في كتاب البر، ج: 16 ص: 175حديث رقم 2623  شرح النووي، وأبو داود في الأدب، 4983 ورواه مالك وأحمد وغيرهم ورواه الطيالسي  في مسنده  حديث رقم:‏2549

 كما لا يجوز للمسلم أن يتمنى الفناء والهلاك ويرى من نفسه عدم استحقاق الحياة،

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : “ لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه ، فإن كان لا بد فاعلا ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) رواه البخاري  في صحيحه- حديث: رقم:‏5355‏ ومسلم في صحيحه  باب كراهة تمني الموت لضر نزل به – حديث: رقم:‏4947‏ ورواه البخاري بمعناه عن أبي هريرة رضي الله عنه  حديث: رقم:‏5357‏ ولفظه أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” (لا يتمنين أحدكم الموت : إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً ، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب).

ولنتامل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم الأمة الثقة في كثير من أحاديثه الشريفة، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ” (إن قامت على أحدكم القيامة ، وفي يده فسيلة فليغرسها) رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه – حديث:‏12675‏  ورواه البخاري في الأدب المفرد   – باب اصطناع المال  حديث:‏494‏، فعلى المسلم أن يحذر العجز في الثقة لا أن يعلن الثقة في العجز.

وحتى تكون حياتكم سعيدة، والشرور عنكم بعيدة، لا بد أن تكثروا من طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والدعاء وقراءة القرآن والصدقة، وسائر البر والإحسان… وبالله التوفيق.

.