الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله أشرف الرسل المبعوث رحمة للعالمين، الصادق الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين.
وبعد: فإن الصدق مع الله أساس صحة كل عمل، وهو من الأخلاق الكريمة الراقية العالية، دعا الله عباده المؤمنين إلى التمسك به، فقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين)سورة التوبة آية119 ودعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا…)الحديث رواه البخاري ومسلم.
ولقد ظهر جمال الصدق وأضاءت خصاله الحميدة في صفات الصادقين، وعلى مر العصور وسير الدهور، والتأريخ شاهد بذلك وتحفل السير والعبر المدونة في الكتب بما كان ويكون عليه أهل الصدق رحمهم الله، وكلها تنبثق عن الصدق مع الله تعالى، إذ أن الصدق مع الله والذي يثمر الصدق مع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع القرآن والسنة هو أنفع شيء للعبد في الدنيا والآخرة، حين يصدق مع الله في جميع أموره، سرا وعلانية خلوة وجلوة، ليلا ونهارا، خفية وجهارا، حضرا وسفرا، في عزمه وفي قوله وفعله، في كل ما يعطي ويمنع وفي كل ما يأتي ويذر، وفي كل ما يذهب ويجلب، قال تعالى: ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) سورة البقرة آية 177وقال تعالى: ( فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم) سورة محمد آية 21
وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين الصادقين وأشاد بهذه الصفة فيهم، فقال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) سورة الأحزاب آية 23 ، كما بين أنها من صفات الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقال عن عبده وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً) (مريم:41) كما امتدح نبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً) (مريم:54)، كما امتدح نبيه إدريس عليه الصلاة والسلام فقال:{واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا)سورة مريم آية 56-57.
والصادقون مع الله تعالى لهم كل خير في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى:{طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم} سورة محمد آية 20-21.
كما وعد الله عباده الصادقين والصادقات بالمغفرة والأجر العظيم، فقال عز من قائل: ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات – وختم الآية بقوله- أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) سورة الأحزاب آية 35، فما أجمل الصدق مع القوي المتين سبحانه، وما أحسن الأجر الذي يناله الصادق مع الله زمانه.
ولنا أن نتأمل في دليل عملي على عظم قدر الصدق مع الله تعالى، فلننظر إلى قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم عند تخلفهم عن غزوة تبوك، تابوا توبة صادقة مع الله وامتحنوا وابتلوا بلاء عظيما وضاقت عليهم الأرض الواسعة وضاقت عليهم أنفسهم الغالية لديهم في نحو خمسين يوما، حتى أنزل الله عز وجل قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ماكاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمونا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) سورة التوبة آية117- 119 وكان مما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق) رواه البخاري في صحيحه.
ولنا أن نتأمل في شأن حديث الثلاثة الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم (أنهم آواهم المبيت في طريقهم فدخلوا الغار وانطبقت عليهم صخرة فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه صدق فيه مع الله ابتغاء وجه الله، فتوسل أحدهم ببره لوالديه، وآخر بعفته، وآخر بأمانته، ففرج الله عنهم بأن أزاح عنهم تلك الصخرة وخرجوا يمشون)، رواه البخاري ومسلم.
وأعجب من ذلك قصة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين صدق الله في تنفيذ الرؤيا بذبح ولده، وفلذة كبده ، وفي وقت بلوغه معه السعي في مرحلة الزهو أحوج ما يكون فيها الأب سعيدا بابنه، امتحنه الله في إخلاص صدقه مع الخالق وحده، ولما صدق مع الله وشرع في تنفيذ الأمر كان الفرج وكانت العطايا والخيرات العظام من الله تعالى والتي أصبحت منهجا للتضحية، وكان من نبي الله إسماعيل الصدق مع الله فلم يقل لأبيه افعل ما بدا لك أو افعل ما تراه مناسبا ، وإنما أعاد الأمر إلى الصدق مع الله وإنفاذ أمر الله، ( …قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إنشاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم).(الصافات:102- 107).
فعلينا أن ننظر هل لنا من عمل صدقنا مع الله فيه نطمع أن ينجينا الله به من الشدائد إذا نزلت بنا بأساء وضراء، ولقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا وهاجر معه، وغزا معه غزوة غنم فيها النبي صلى الله عليه وسلم غنائم فقسمها وجعل له نصيبا، فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى بسهم هاهنا- وأشار إلى حلقه-فأموت فأدخل الجنة! فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلا ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأصابه سهم حيث أشار، فحملوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أهو هو؟ قالوا نعم، فقال: (صدق الله فصدقه)، وكفنه في جبته التي عليه ثم قدمه فصلى عليه فكان من دعائه: ” اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك”رواهالنسائي ــ كتاب الجنائز 4/6146 وصححه الألباني في ( صحيح سنن النسائي ) برقم 1845 عن شداد بن الهاد رضي الله عنه.
لنا أن نتأمل في قصة أنس بن النضر رضي الله عنه وكيف صدق مع الله؟! فقد خرج لطلب الرعي ولما رجع علم بما كان من غزوة بدر والقتال الذي دار بين المسلمين والمشركين، فحزن حزنا شديدا وعاهد الله تعالى لئن أحياه حتى يلقى رسول الله المشركين ليرين الله ما يصنع، وجاء وقت الوفاء في غزوة أحد حين رأى أنس تخاذل بعض المسلمين وقعودهم حين أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فقال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات فقوموا فموتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم شهر سيفه وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين وانطلق بين صفوف المشركين فرآه سعد فقال أين يا أنس، فقال أنس: واها لريح الجنة إني لأجده دون أحد، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى وقع قتيلا، وبعد المعركة تفقد المسلمون قتلاهم وإذا هم أمام جثمان رجل به أكثر من ثمانين طعنة رمح ورمية سهم مثخن في جراحه، ولا يعرفه أحد من كثرة الجراحات حتى عرفته أخته ببنانه، وكانوا يرون أن فيه وفي أمثاله نزل قول الله تعالى: :{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}سورة الأحزاب آية 23 ذكره الإمام الطبري في تفسيره بسند صحيح.
أما عن جزاء الصادقين يوم القيامة فقد قال الله عز وجل: {… هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم )سورة المائدة آية 119
ولنا أن ننظر إلى حال من حرم هذه الخصلة وكيف فضحه الله فقال تعالى:(ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) سورة التوية آية 75-77
ألا فلنصدق مع الله، فمن صدق مع الله ناله الخير، وصرف عنه الشر، ولنستحضر قول الله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) سورة النساء آية 69-70وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) رواه مسلم حديث رقم 1909عن سهل بن حنيف رضي الله عنه، وفي رواية أنس رضي الله عنه مرفوعا( من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه) رواه مسلم حديث رقم 1908
اللهم ارزقنا الصدق في القصد والقول والعمل وأنزلنا منازل الصديقين.