نور البدر بذكر فضل ليلة القدر

ليلة القدر

ليلة القدر

(دعوة لتحري وقيام ليلة القدر في كل ليالي شهر رمضان لأن من فعل ذلك فقد أدركها يقيناً)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فكما دأب موقع ( لمن اهتدى) أن يذكر الزوار والزائرات وعموم القراء الكرام بالمناسبات والفرص الغالية والثمينة، سعيا في اغتنامها واستثمار دروسها بما ينفع والاستفادة منها، ويأتي في هذا الوقت وفي شهر رمضان المبارك الحديث عن فضل ليلة القدر.

سميت ليلة القدر بهذا الاسم لأنها قد قدر الله جل وعلا فيها نزول القرآن الكريم وقبله الكتب السماوية وقدر نزول الملائكة وقدر المقادير ، ويقدر فيها المقادير سبحانه كيف يشاء وكما يشاء، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر، قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ {5} سورة القدر: ١ – ٥  وقد سماها الله جل وعلا ليلة مباركة، وجعلها من الرحمة، قال سبحانه: حم {1} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {2} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ {3} فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ {4} أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ {5} رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {6} رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ {7} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ {8}: سورة الدخان ١ –8.

 لقد حظيت ليلة القدر الشريفة بنزول القرآن فيها بنص هذه الآيات المذكورة في سورتي الدخان والقدر، وبناء على هذا فإن ليلة القدر في شهر رمضان قطعا ، ولا يلتفت إلى قول من زعم أنها قد تأتي في غير شهر رمضان، وإنما قلت قطعا لأن ذلك هو النص القرآني إذا جمعنا هذه الآيات مع قول الله تبارك وتعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) سورة البقرة: ١٨٥

قال القرطبي رحمه الله، هذا نص على أن القرآن نزل في شهر رمضان ، وهو بيان لقوله تعالى في سورة الدخان ( حم . والكتاب المبين . إنا نزلناه في ليلة مباركة ) يعني ليلة القدر . ولقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر . وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره . ( الجامع لأحكام القرآن ج 2/ 239 )

 وأيضا لا دليل على انحصارها في ليلة معينة من شهر رمضان المبارك، بل هي ليلة مبهمة من شهر رمضان قد تكون في أوله وقد تكون في وسطه، ويغلب عليها أن تكون في العشر الأواخر ، من باب التغليب لا من باب اليقين، انظر على سبيل المثال ( لطائف المعارف صـ 353 ) .

وما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم من قولهم عن ليلة سبع وعشرين، فإنهم عنوا بها في شهر رمضان عاشوه مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورأوا لها علامات ودلالات ورؤى، لا أنها تكون كذلك في سبع وعشرين من كل شهر رمضان سائر الدهر، إذ قد دلت أحاديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أريت ليلة القدر فخرجت لأخبركم فنسيتها) وفي لفظ قال: ( خرجت لأخبركم عن ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فلتمسوها في العشر الأواخر من رمضان)، أنظر صحيح البخاري ( الفتح جـ 4 / 340 ) .

ومما ينبغي أن يشاع بين المسلمين التحري والالتماس لليلة القدر في جميع ليالي شهر رمضان ، إذ أن القول بتحديد ليلة القدر بليلة بعينها كليلة السابع والعشرين هو من تقيد ما أطلقه الشارع ، وقد قرر العلماء رحمهم الله ، أن من قواعد البدع تقييد العبادة بزمان أو مكان معين أو نحوهما، بحيث يوهم هذا التقييد أنه مقصود شرعا من غير ما دليل صحيح  وصريح.

ونص على ذلك كثير من أهل العلم، انظر مثلا في مجموع الفتاوى جـ 20 / صـ 196، 197  لشيخ الإسلام ،ووكذا الشاطبي في  الإعتصام جـ 1 / 485 ، 486  والحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح جـ 4 / 340

هذا وإذا كانت ليلة القدر في شهر رمضان قطعا، فإن منْ قام كل الليالي في شهر رمضان الكريم إيمانا واحتسابا، فقد أصاب ليلة القدر، ويكون حسابها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ولهذه الليلة فضائل وعلامات وهي كالتالي:

– نزل فيها القرآن الكريم الذي هو هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

– قد يحصل فيها مطر مبارك.

-هي ليلة مباركة، والبركة هي ثبون الخير الإلهي في الشيء،.

– تنزل فيها الملائكة والروح جبريل عليهم السلام.

-تكون ليلة لا هي باردة شديدة البرد ولا حارة شديدة الحر، بل هي عوان بين ذلك، وفيها السكينة والهدوء، والطلاقة والسماحة، فعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (ليلة القدر ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء) أخرجه الطيالسي في مسنده برقم (2680)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (9606).

-لا يرمى فيها بنجم ولا تشاهد نيازك وشهب تسقط في غلاف الأرض، فعن واثلة بن الأسقع – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (ليلة القدر بلجة، لا حارة ولا باردة، ولا يرمى فيها بنجم، ومن علامة يومها تطلع الشمس لا شعاع لها) رواه الطبراني في الكبير برقم (17605)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (9603)

 – يكثر فيها صياح الديكة ولا يسمع فيها نهيق الحمير، لقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا…) البخاري رقم: 3303

 ومن المعلوم بنص القرآن أنها ليلة تتنزل فيها الملائكة، قال تعالى: ( تنزل الكلائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) وفي الحديث كما قال النبيّ صلى الله عليه و سلّم : ( إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى ) رواه أحمد في مسنده (10734) وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وإسناده حسن ، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله.

 – عدم الزلازل و المسخ و القذف وكلّ ما هو شرّ عام للآية (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).

– تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، أو ضعيفة حمراء.كما تقدم به الحديث.

-هي ليلة خير من ألف شهر.

من الدعاء المأثور في تلك الليلة: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني )لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول ؟ قال : قولي: ( اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني ) رواه الإمام أحمد بسند صحيح.

هذا الحديث ليس نصا لهذا الدعاء بخصوصه، بحيث يفهم منه عدم الدعاء بغير هذا اللفظ، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال قولا فإنه يكون منهجا للأمة الإسلامية بكثرة الدعاء والتضرع والابتهال.

تأملوا معي أيها الإخوة والأخوات، أن ليلة القدر خير من ألف شهر، والألف الشهر إذا قسمناها على اثني عشر، وهي كامل العام، تكون هذه النتيجة، (1000 ÷ 12= 83،3333) أي (ثلاث وثمانون سنة وزيادة) تأملوا أيضا أن الذي يقوم ليلة القدر يكون مخالطا للملائكة المقربين بما فيهم جبريل عليهم السلام، إنها كرامة لمن قامها إيمانا واحتسابا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري (1901) ومسلم (760).

(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

( عيسى يحيى معافا)

    موقع لمن اهتدى