شيخنا الكريم حفظك الله ورعاك
سائل يقول: استلفت من أحد الأقارب مائة ألف ريال يمني فطلب مني قضاءها (٧١٥ ) سبعمائة وخمسة عشر ريالاً بالعملة السعودي، بحسب الصرف تماماً حين القرض، فهل قضاؤها بعملة سعودية كما قال لي عند القرض يعتبر من الربا؟ وماذا يجب علي الآن؟. أثابكم الله.؟
الجواب
لا حرج في ذلك إذا حصل التراضي بينهم لأنه بهذا التراضي لم يشترط ثمناً أكثر من ثمن المائة الألف اليمني وقت التقابض والتراضي وإنما طلب ما يعادلها تماماً عند القرض وبالتالي فالواجب عليك أداء القرض كما بين لك بسبب عدم ثبات العملة اليمنية بينما العملة السعودية ثابتة.
قال ابن عمر رضي الله عنهما : كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير ، ونبيع الدنانير فنأخذ عنها الدراهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء ) ومعناه الوفاء دون نقص
إذا كان النقص في قيمة العملة يسيراً لا يبلغ ثلث قيمة الدَّين ، فالواجب رد مثل النقود التي أخذها عدداً ، دون زيادة ولا نقصان فإذا اقترض مائة ألف يمني لمدة ستة أشهر مثلاً ومرت ستة أشهر ولم تنقص قيمة المائة الألف اليمني بمقدار الثلث مثلاً فإنه يعيدها كما اقترضها مائة ألف يمني أو ما يعدلها وفي الحديث ( خيركم خيركم قضاء ) متفق عليه
والذي يظهر – والله أعلم – أن أقرب الأقوال في هذه المسألة هو القول بوجوب رد القيمة أو الصلح بين الطرفين إذا كان التغير كثيراً يصل إلى الثلث فأكثر.
ورد في المغني لاين قدامة ما خلاصته: الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ ، وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ : (الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) ، فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ ، فَلِهَذَا قُدِّرَ بِهِ ” انتهى من ” المغني” (6/179) .
وأما القول برد المثل مع وجود التغير الكبير في قيمة العملة فيشكل عليه :
1= أن فيه ضرراً على الدائن ، ويخالف مقتضى العدل وما جاءت به الشريعة من دفع الضرر ورفعه .
2= أن فيه مراعاة للصورة الظاهرة الشكلية للنقود ، دون اعتبار للمعنى الحقيقي لها ، فالمثلية الحقيقية لا تتحقق في هذه النقود إلا بتماثل قوتها الشرائية ، وهذا متعذر في حال تغير قيمة العملة تغيراً كثيراً .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح المحرر : ” إذا أقرضه أو غصبه طعاماً ، فنقصت قيمته فهو نقص النوع ، فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة ، وهذا هو العدل ، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما ، وأما مع اختلاف القيمة : فلا تماثل “. انتهى ، نقله عنه البهوتي في “المنح الشافيات” صـ 443 .
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بُطَيْن مفتى الديار النجدية في عهده : ” وأما رخص السعر، فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة أيضاً ; وهو أقوى ، فإذا رُفع إلينا مثل ذلك ، وسطنا بالصلح بحسب الإمكان ” انتهى من ” الدرر السنية ” (6/206)..
وكذا قال الشيخ حسن بن حسين آل الشيخ عن قول شيخ الإسلام ابن تيمية : “وهو المعتمد لدينا في الفتوى” انتهى من ” الدرر السنية” (7/212).
وقال الشيخ عبد الله البسام رحمه الله تعالى : ” واختار الشيخ تقي الدين وشمس الدين ابن القيم وبعض علماء الدعوة النجدية السلفية : أن النقد إذا غلا أو رخص أو كسد ، فإن للدائن القيمة كما لو حرَّمها ولي الأمر ، وألحق الشيخ تقي الدين سائر الديون بالقرض وتابعه كثير من الأصحاب” انتهى نقلا من ” مجلة مجمع الفقه الإسلامي” (9/2/443).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله تعالى : ” أما إذا كسدت وبلغ من كسادها ما يكون سبباً في الإجحاف بمال المقرض ، فحينئذ لا يجزئ السداد بها ، بل يجب تقويمها يوم الإقراض ، فتجب معادلة الجنيه بالدولار يوم الاقتراض، وإيفاء القرض على هذا الأساس، أو الاصطلاح مع المقرض”.
3= لا يصح قياس العملات الورقية على ما ذكره العلماء من وجوب رد المثل في الذهب والفضة ؛ لأن الدنانير الذهبية والدراهم الفضية لا تبطل قيمتها بحال ، وقد ترخص بنسبة معينة لكنها لا تفقد قيمتها ، ولذا لا ضرر في ردها بالمثل ، بخلاف العملات الورقية فهي مجرد أوراق لا قيمة لها في ذاتها لولا اعتراف الدول بها .
تنبيه: في حال الرجوع للقيمة : يتم تقديرها بحسب سعر الذهب وقت الدين أو بحسب قوة النقد الشرائية في ذلك الوقت ، ويكون السداد بعملة مختلفة عن العملة التي تم بها القرض بمعنى لا يصح أن يعطيه عند القضاء بدل المائة ألف اليمني مائة وعشرة ألف يمني لأن هذا تمثل مع زيادة فلا يجوز لكنه يعطيه بالعملة المختلفة .
( عيسى يحيى معافا)
موقع لمن اهتدى