خطبة بعنوان: الثبات بعد شهر الصيام والقيام

الحمد لله…

( خطبة مكتوبة بعنوان : الثبات بعد شهر الصيام والقيام)

أيها الناس ونحن نعيش بعد وداع شهر رمضان المبارك علينا أن نتذكر دائماً أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الثمرة العظيمة التي يجنيها المسلم والمسلمة والمؤمن والمؤمنة من صيام رمضان الحصول على التقوى، قال عز وجل في أول آية تتحدث عن الصيام وشهر رمضان ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وختم الآيات التي تتحدث عن الأعمال الصالحة في شهر رمضان (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، وهذه بشارة من الله تعالى للصادقين والصادقات في أعمالهم الصالحة بأنهم يتقون لأن لعل من الله تفيد الحقيقة، أي حقيقة يتقون، ومن هذا المفهوم ندرك أن المعيار الذي يقيمه المؤمن والمؤمنة لاختبار مدى حصولهم على التقوى ومقدار تمسكهم بالهدى، يتضح بعد شهر رمضان، فمن حافظ على الأعمال الصالحة واجتنب الأعمال السيئة فعليه أن يحمد الله تعالى ويعلم

أنه في تقوى وهدى وثبات واستقامة لأن الله نجاه من السيئات وكفاه الحزن، قال الله تبارك وتعالى: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة الزمر

ينجيهم الله من الوقوع في السيئات والمعاصي، فلا يمسهم السوء ولا هم يحزنزن، وإن أعظم السوء هي الذنوب والمعاصي التي تورث الحزن والأسى والبعد عن الهدى والوقوع في الردى.

وإذا كان الله عز وجلينجي المتقين من السوء فمعنى ذلك أيضاً أنه ييسر لهم الأعمال الصالحة ويفتح لهم طريق المحبة لها والقيام بها، وذلك لأن ترك العمل الصالح الواجب فعله أو التأخر عن فعله والتساهل به يعتبر سوءاً يجنيه المتكاسل والمتقاعس عن الواجبات في الطاعات.

ألا واعلموا عباد الله أن الشيطان يعجز عن غواية المتقين كما أخبر الله عن ذلك فقال: ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) سورة الأعراف، إذا وسوس لك الشيطان بالمعصية فتذكر صيامك في نهار رمضان وأهمية حفاظك عليه حتى لا تلحقه بجرح وتذكر حسنات بقيامك ليالي رمضان وأهمية بقائها مضاعفة الأجر، تذكر قراءتك للقرآن واستماعك له تذكر صدقاتك تذكر دعاءك واستغفارك تذكر أهمية الحفاظ على رصيدك ، وتأمل أيها المسلم حال تاجر أجهد ليله ونهاره مدة طويلة حتى إذا جمع أمولاً مختلفة فتح صناديقها للسرق واللصوص وفتح أبوابها للقوارض والوحوش فضاعت منه بعد أن تعب كثيراً في جمعها، فكذلك حال من يضيع حسناته في طاعة الهوى والشيطان فيترك الواجبات ويقع في السيئات عياذا بالله تعالى، وإذا كان الشيطان يعجز عن غواية المتقين فإنه يتجرأ على الغافلين فالله يقول: ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون) الزخرف.

أيها المسلمون ألا تعلمون أن أعظم بشارة يسمعها المؤمن هي أن يسمع بشارة بأنه لا خوف عليه ولا حزن، فالخوف متعلق بالمستقبل والحزن بالماضي ومعناه أن ما ضيه وحاضره ومستقبله في سعادة! ويسمع البشارة بالجنة والخلود فيها، فاسمعوا لمن تكون هذه البشارة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * ) سورة فصلت، وقال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ) الأحقاف.

اللهم اغفر لنا ….

الخطبة الثانية.

أيها المسلمون، فقد جاءت شريعة الإسلام بتحقيق مصالح الأنام وكفلت جلب الخير والسعادة للعباد في الحياة الدنيا ويوم المعاد، وأقامت بينهم وبين السيئات سدوداً منيعة وحصوناً حصينة كي لا يتسلل منها ما يهدم الفضيلة ويضعف التقوى ويصد عن الهدى ويوقع في الردى، فاستمسكوا بتعاليم الشريعة ففي ذلك النجاة ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) ( والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين)، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التقوى لله تعنى المراقبة له والخشية منه في كل زمان ومكان وحال، فقال : ( اتق الله حيثما كنت ..) والحيثية والكينونة تعنى عموم المكان والزمان والحال، اتق الله كنت في رمضان أو شوال أو شعبان أو أي شهر كنت في يوم الجمعة أو السبت أو الخميس أو أي يوم وأي ليلة، كنت في المسجد او خارج المسجد كنت حاضراً في بلدك أو مسافراً بلداً آخر، كنت في حال عسر أو يسر، فتقوى الله في كل الأحوال هي دأب الصالحين في جميع العصور وتتابع الأجيال.

اللهم اجعلنا صالحين مصلحين..