أيها المسلمون: إنه قد تقرر أن المسلم حين يطلب المال ويجده يفرح بذلك كثيراً، حيث أنه وجد مالاً مقابل عمله، وحين يتعالج ويتداوى ويشفى ويصح يفرح بذلك فرحاً كبيراً، ولكن هناك أمر آخر يجب أن يكون أعلى وأولى مفروح به ألا وهو الحصول على المغفرة من الله تبارك وتعالى وذلك يكون بالإيمان والأعمال الصالحة، فينال الحسنات والعفو عن السيئات والرفعة للدرجات، كما قال تعالى: ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون)، فهذا أولى بالحرص عليه، فالله يقول: (يَاأَيُّهَاالنَّاسُقَدْجَاءتْكُممَّوْعِظَةٌمِّنرَّبِّكُمْوَشِفَاءلِّمَافِيالصُّدُورِوَهُدًىوَرَحْمَةٌلِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْبِفَضْلِاللّهِوَبِرَحْمَتِهِفَبِذَلِكَفَلْيَفْرَحُواْهُوَخَيْرٌمِّمَّايَجْمَعُونَ ).
ألا وإن من أهم الأعمال الصالحة والتي يغفل عنها كثير من الناس إما بالجهل وإما بالكبر والغرور وإما بالتعالي والنفور، ولا يدركون أن فيها نيل المغفرة والأجر والحسنات العفو والمسامحة، فالعفو والمسامحة مكسب كثير وفوز كبير، قال تعالى: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) حين نزلت هذه الآية وتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: بلا والله إني لأحب أن يغفر الله لي، هكذا السباق والمبادرة والحرص على النافع، تأملوا أيها المسلمون لو حصل نداء ألا تحبون الشفاء من المرض؟ فالجميع يقول بلى إننا نحب الشفاء والصحة أو حصل نداء ألا تحبون الغنى والنجاة من الفقر؟ الجميع يقول: بلى، إذا حصل نداء ألا تحبون القوة والعزة والسلامة من الضعف، الجميع يقول بلى، فما بالكم حين نسمع النداء من الله ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم)؟! حين يقوم المسلم بالعفو والمسامحة لا ينال أجره من المخلوق، وإنما يعطيه الأجر الخالق الكريم قال تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) والمعنى أن من عفا ابتغاء وجه الله، فلم يقابل السيئة بمثلها وهو قادر ولكنه عفا وأصلح بالعفو بينه وبين أخيه المسلم فسيكسب وينال بذلك الأجر العظيم من الله، بل أعظم من ذلك من أصلح وزاد على ذلك أن قابل السيئة بالحسنة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
المسلم يعفو ويصفح، لينال أجر المتقين، كما قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، الله تبارك وتعالى أعد جنته للمتقين الكرماء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، وهو ـ سبحانه ـ يعطي بمنه وكرمه صاحب العفو أعظم من حقه الذي تنازل عنه، كيف لا وهو الذي دعاه إلى العفو! ولكن الشيطان يحرص على إبقاء أسباب العداوة وغل الصدور الموجب للقطيعة بين المسلم وأخيه، حتى استمرأ بعض الناس الخصومة والتقاطع والتهاجر إلا من رحم الله .
أيها المسلمون: إن المسامح هو الرابح، ثم اعلموا أنه لا يكفي مجرد المسامح اللفظية، والتي صارت تخرج من الأفواه، ولا يقصد بها العفو التام أحياناً، وإنما هي كلمة تجري على اللسان، فعلى المسلم أن يعفو صادقاً من قلبه، ويترجم عفوه في أعماله وأقوله، فإن المرء إذا أساء إليه مسلم، فالأفضل له عند الله تعالى والأتقى أن يعفو ويصفح ابتغاء وجه الله تعالى، وله على ذلك الأجر الجزيل عند الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( وأن تعفوا أقرب للتقوى).
لقد سمى الله نفسه بالعفو والحليم والغفور والرحيم والرؤوف والكريم، ومن لوازم الإيمان بأسماء الله وصفاته أن تترجم ذلك في الأخلاق والسلوك، قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن فإنه: ما نقص مالَ عبد صدقةٌ، ولا ظلم عبد بمظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزاً، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر) رواه الإمام أحمد، وبنحوه في صحيح مسلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظه وهو يقدر على أن ينتصر، دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في حور العين أيتهن شاء). رواه الترمذي وصححه الألباني،
وقد أمر الله تعالى بالعفو والصفح، فقال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين) وقال: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وقال ( فاعف عنهم واستغفر لهم).
إننا لننصح المسلمين في أي مشاجرة أو خصومة أن يأخذوا بمبدأ العفو والصفح والتسامح، فإذا حصلت المشاحة في ذلك، فلا مفر من اللجوء إلى الجهات التي تفصل في مثل هذه المشاجرات سواء كانت مجالس عرفية، أو جهات قضائية أو غير ذلك، وندعوا أنفسنا حميعاً إلى الصبر والعفو والصفح والتنازل، فقد قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)، وقال: ( وأن تعفوا أقرب للتقوى).
ونتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه رجل يشكو إليه سوء معاملة أقاربه له فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال صلى الله عليه وسلم: (لئن كنت كما قلت فإنما تسفهم الملّ -الرماد الحار- ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)، رواه أحمد ومسلم، وفي الحديث الآخر: (ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) متفق عليه. وفي رواية لهما: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
ولقد كان صلى الله عليه وسلم نبراساً في العفو والمسامحة والله يقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )