وكذلك تخرجون

الحمد لله وصلاته وسلامه على خليله ومجتباه ورسوله ومصطفاه ، نبينا محمد بن عبد الله .

وبعد: فإن من حكمة الله البالغة، وحجته القاطعة، وبراهينه الساطعة، ودلالات قدرته الشاسعة الواسعة، أنه لم يكتف بمجرد أمره لعباده أن يؤمنوا بالبعث والنشور، بل ضرب لهم الأمثال وبين لهم حجة الدليل والاستدلال، ليكون ذلك جواباً مقنعاً على كل سؤال يدور في العقول عن شأن النهاية والمآل.

فمن ذلك قوله سبحانه مستفهماً ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) سورة البقرة آية 28 ومعناه آمنوا وصدقوا بما أخبركم به الله ،ومن ذلك بعثكم بعد موتكم، بدليل أنكم قبل حياتكم في الدنيا كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم وأبوكم آدم كان ميتاً في تربة الأرض فأحياه الله، (والناس من آدم وآدم من تراب).

ومن ذلك حين اختبر الله قوماً بذبح بقرة لينطق جزء منها ويخبر بمن قتل النفس التي ادارؤا فيها، ويتكلم أمامهم وهم يسمعون ويبصرون، خاطبهم الله سبحانه ليتفكروا بعقولهم أن الله قادر على بعثهم بعد موتهم فقال: (كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) سورة البقرة آية 73 .

ومن ذلك أن الذي مر على قرية قد مات أهلها وخرب بنيانها وتساقطت أشجارها وتهاوى عمرانها، وأصبحت خراباً يباباً، تساءل متعجباً كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فكان الجواب: ( …فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) سورة البقرة آية 259

ومن ذلك أن الخليل إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى أراه الله ذلك عياناً بياناً وأنزل في ذلك قرآناً، فقال: ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) سورة البقرة آية 260

ومن ذلك إعلامه عباده بقدرته البالغة فقال: ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير  تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) سورة آل عمران آية 26-27 ومن كان قادرا على ذلك فهو قادر على إخراجكم وبعثكم من قبوركم كما قدر على إماتتكم وهو على كل شيء قدير ، ومثلها قوله (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون) سورة الروم آية 17- 19، فلنتأمل في قوله ( وكذلك تخرجون).

ومن ذلك دلالة الرياح والسحب لنزول المطر وإحياء الأرض بعد موتها بالقحط والجفاف، للدلالة على البعث وخروج الموتى قال سبحانه ( وهو الذي يرسل الرياح بشرىً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) سورة الأعراف آية 57-58 ومثلها قوله ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) سورة الروم آية 48-50 فقال: (  كذلك يحيي الله الموتى..) ومثلها قوله ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير) سورة فصلت آية 39، نعم ( إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ).

ومن ذلك التطورات المختلفة في الخلق دليل على القدرة على البعث كما في قوله ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلققناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) سورة الحج آية 5-7 وهذا كقوله ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) سورة المؤمنون آية 12-16 وقال تعالى: ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم…) الآيات من سورة يس  آية 77 إلى آخر السورة.

ومن ذلك التعبير بالموت بأنه زيارة ! ومن المعلوم ان الزائر يعود من زيارته، قال تعالى: ( ألهاكم التكاتر حتى زرتم المقابر ) سورة التكاثر آية 1-2 فلا بد للزائر أن يرتحل ويعود إلى منـزله، وهو تذكير بعودة الناس بعد موتهم ليبعثوا إما إلى الجنة -نسأل الله أن نكون من أهلها – وإما إلى النار نعوذ بالله من النار.

ومن ذلك التذكير بأن من بدأ الخلق قادر على إعادته، قال تعالى: ( ..كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) سورة الأنبياء آية 104 وقال: ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) سورة الروم آية 27 .

وثم آيات أخرى ألمحت إلى ذلك في سور أخرى، هل بعد هذه البراهين من شك؟! ( ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون) سورة المرسلات آية 49-50

2 تعليقان

  1. فعلا الموقع دة متميز للغاية ، وأرغب في المزيد والمزيد من الموضوعات المهمة

  2. استغفــر الله

    مشكور شيخي على الموضوع 
    والله انك ماقصرت في شرحك للايات الكريمه وكذلك
    في توضيحك لقدرة الله تعالى على كل شي وكذلك في تذكيرنا
    بالموت الموعود

    جزاك الله خير الجزاء وانار بك عقول الشباب 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*