مضمار السباق، ما معيار الفوز فيه؟

رمضان
رمضان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فكما دأب موقع ( لمن اهتدى) أن يذكر الزوار والزائرات وعموم القراء الكرام بالمناسبات والفرص الغالية والثمينة، سعيا في اغتنامها واستثمار دروسها بما ينفع والاستفادة منها، فالإنسان حين يسعى في مناكب الأرض طلبا للرزق إذا سئل ما الهدف من سعيك؟ يقول تأمين حياتي ومستقبلي، ومستقبل أولادي وأسرتي، ومن ثم ينتهز فرص التجارة والصفقات، ويغدو ويروح، ويستفيد من ذوي الخبرة، والآخر منذ أن يبلغ السادسة من عمره يتجه إلى الدراسة وطلب العلم والدراية والمعرفة، وحين ينضج فكريا ويفتح سمعه وبصره على مجريات الحياة يدرك أهمية ما يقوم به من دراسة لتأمين مستقبله حتى لا يكون عالة على الآخرين في أمور دينه ودنياه، فهو في سباق مع الزمن.

يأتي في هذا السياق التذكير للإخوة والأخوات بأن شهر رمضان الكريم أعظم متجر للربح الممتد وأعظم مدرسة إيمانية يتسابق فيها الدارسون لتحقيق أكبر نسبة للنجاح، كما أنه أعظم مستشفى رباني لعلاج أمراض القلوب والأنفس، من كل الأمراض التي تسببها الذنوب والمعاصي، وأعظم معترك لمجاهدة النفس، وهو أيضا أعظم مضمار للسباق إلى طاعة الله تعالى: قال عز وجل (ففروا إلى الله) سورة الذاريات آية 50  وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس في الخير وكان أجود ما يكون في رمضان، وذلك حين يأتيه جبريل عليه السلام يدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع الناس بالخير من الريح المرسلة).

وفي صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما في خبر كعب بن مالك رضي الله عنه لما نزلت آية التوبة جاءه من يبشره من الصحابة رضي الله عنهم بعبارة تدعو للتأمل الكبير، لنعرف من خلالها ما هي المناسبات التي يفرح بها الصحابة الكرام ويبشر بها بعضهم بعضا، العبارة هي: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)، لنا أن نتأمل شعور الصحابة رضي الله عنهم ما هو معيار الزمن والوقت الذي يفرحهم ويتبادلون فيه البشرى والشعور بالفرح، إنه يوم تقبل التوبة، نعم إنها أيام التوبة أيام العبادة أيام الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يوم يستشعرون رضا ربهم سبحانه فيفرحون بذلك فرحا شرعيا قال تعالى: ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين () قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) سورة يونس 57-58.

شهر رمضان محطة للتوبة ولتجديد الإيمان، وتغذية الروح، والتزود من الأعمال الصالحة، كما لو أن الإنسان مسافر سفرا بعيدا، وقد احتاج حاجة ماسة إلى أن يزود نفسه وراحلته حتى لا تنقطع به السبل، فتزود بكل المؤن التي يبلغ بها المحطة الأخرى.

فكذلك التزود من العبادة وأنواع القربات من الأعمال الصالحة، التي تكون سببا لقوة اليقين والثبات وقوة الصبر والشكر وقوة الهداية، وحصول الحياة الطيبة في الدنيا والسعادة في الآخرة ومضاعفة الرصيد الأخروي، قال تعالى: ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما) سورة النساء آية 66-68، وقال تعالى: ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) سورة النحل آية 97 .

لقد كان شهر رمضان وما زال شهراً كريماً، وموسماً عظيماً، تضاعف فيه الحسنات وتغفر فيه الخطايا والسيئات، وتقال العثرات، وترفع الدرجات، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة:185

شهر فيه رحمة، ومغفرة، وعتق من النار، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، خص بخصال لم تكن في الشهور: منها تنزل القرآن فيه، ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) سورة البقرة آية 185ومنها أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر ،إنها ليلة القدر ، عظمها الله فقال: (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر) سورة القدر، ومن خصائص شهر رمضان الكريم، أن الله فرض صيامه وندب إلى قيامه، ومنها أنه تفتح فيه أبواب الجنات وأبواب السماء، وتغلق فيه أبواب النار، وتسلسل _ تصفد_ فيه الشياطين، أو مردة الشياطين، ينادى فيه يا باعي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله فيه عتقاء من النار، ومنها استجابة الدعاء، ويتحقق الرشاد لمن استجاب لله وآمن به، فقد ذكر الله في سياق آيات الصيام قوله ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) سورة البقرة آية 186وهي عامة في شهر رمضان وغيره، وجاء في الحديث ( للصائم دعوة مستجابة) وفي الحديث الآخر (ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم والمسافر ودعاء الوالد) ومن فضائل الصيام عموما وفي رمضان خصوصا أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وغفران الذنوب في الصيام والقيام إيمانا واحتسابا، جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (من صام شهر رمضان إيماناً واحتسباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيماناً واحتساباً غفر له  ما تقدم من ذنبه )}، أخرجه البخاري ومسلم.

فيه يحرص المسلمون على اغتنام أيامه ولياليه المباركة بالأعمال الصالحة، وكثرة العبادة، الإخلاص لله والفقه والطهارة والصلاة، والزكاة والصيام، وتلاوة القرآن وتدبره، والإحسان والبر والصلة، والصدقة، والدعاء والاستغفار، ونحو ذلك.

 ويتأسون برسولهم عليه الصلاة والسلام، في كل أمورهم، فقد كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان فكان أسرع إلى الخير من الريح المرسلة.

3 تعليقات

  1. حمد بن سليمان

    جزيتم خيرا شيخنا، ونفع بكم.

  2. خديجة ملاك

    الحمد لله الذي جعل الصيلم غرة وجه العام، و شرف أوقاته على سائر الأوقات، وفضل أيامه على سائر الأيام، وخص آخره بمزيد فضل و إكرام و الصلاة و السلام على سيد الأنام أفضل من صلى و صام..رمضان محطة من المحطات التي يتزود منها المؤمن لآخرته وهو من نفحات الله التي ينبغي للمؤمن أن يتعرض لها و لا يضيعها فيغدو محروما في موسم الربح..وإن طول العمر و البقاء على قيد الحياة فرصة للتزود من الطاعات و التقرب إلى الله عز و جل بالعمل الصالح و لنتذكر من صاموا معنا العام الماضي أين هم الآن بعد أن غيبهم الموت تخيلوا معي لو أنهم خرجوا إلى الدنيا اليوم، ماذا تراهم سيصنعون؟ سيذهبون للأسواق؟ أم يقضون الوقت أمام الشاشات؟ أم يسهرون الليل في المنكرات ؟ لا و الله بل سيبحثون عن حسنة واحدة، فإن الميزان دقيق و محصي فيه مثقال الذر من الأعمال..فلنحرص على استقبال رمضان بالتنافس فيه على أعمال الخير و البر و لنستحضر أنه ما هو إلا أيام معدودات سرعان ما تنقضي و لعله يكون آخر رمضان ندركه، فلنستزد فيه من الخير و نقول كما قال الحبيب صلى الله عليه و سلم:” و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير” و لنجعله رمضان العمر، لا عمر رمضان..نسأل المولى عز و جل أن يبلغنا رمضان و يرزقنا فيه العتق من النار و يكتبنا فيه من الفائزين الأبرار و المقربين الأخيار.. جزى الله الشيخ عيسى خير الجزاء و جعل ما كتبه في ميزان حسناته و رزقنا الله و إياه و جميع المسلمين و المسلمات الفردوس الأعلى.آمين

  3. صمت السنين

    بسم الله الرحمن الرحيم.
    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا شهر رمضان الكريم وأن يتقبل منا صيامه ويعيننا على قيامه، وأن يغفر لنا ويرحمنا ويجعلنا من العتقاء من النار…آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*