” زكاة الفطر“ الحكم والنوع والحكمة منها

زكاة الفطر
زكاة الفطر

زكاة الفطر الحكم والنوع والحكمة منها

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين، أما بعد: فإن زكاة الفطر لها حكم ومقدار وحكمة، فمن حيث الجملة هدفها كمال الأجر للصائم وتحقيق المصلحة للفقراء والمساكين، ومن حيث إخراجها، فإخراجها فريضة على كل مسلم؛ عاقل ،عنده فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقتهم في يومه وليلته.

ومن حيث من تخرج عنه فهو كل مسلم، الكبير والصغير ، والذكر و الأنثى ، والحر والعبد؛ ويشمل من ولد قبل صلاة فجر يوم عيد الفطر، عند بعض أهل العلم، ولهذا لو مات إنسان قبل مغرب اليوم الأخير من رمضان، ولم يكن قد زكي عنه قبل موته، لم تكن زكاة الفطر واجبة عليه، وإن صام سائر أيام رمضان . ولو ولد مولود قبل مغرب آخر يوم من رمضان، أي قبل الليلة الأولى لدخول شهر شوال كان من الواجب إخراج زكاة الفطر عنه بالإجماع، بل في قول أبي حنيفة وأحد قولي المالكية ومن وافقهم رحمهم الله أنه لو ولد قبل صلاة فجر يوم العيد وجب إخراج الزكاة عنه، ولا تجب على الجنين وهو في بطن أمه، وإن استحب إخراجها، والدليل على وجوبها على من ذكر باستثناء الميت والجنين في بطن أمه، حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ؛ على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين . وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ” أخرجه البخاري وغيره.

يخرجها المسلم عن نفسه ، وعمن تلزمه مؤنته من المسلمين كالوالدين والزوجة والولد، وكل من وجب عليه شرعا النفقة عليه، ويدخل في ذلك العمال الذين اشترطوا النفقة عليهم، شرطا منفصلا عن أجرة عملهم إن وافق على شرطهم.

وهل يصح إخراج قيمتها؟ اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: لا يجزئ إخراج قيمتها ، وهو قول أكثر العلماء السابقين؛ رحمهم الله، ومنهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد، ووافقهم على ذلك كثير من العلماء المعاصرين، وهو جريان على ما فهمه الظاهرية من النص، واحتجوا على ذلك بأن الأصل في العبادات هو التوقيف ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدٍ من أصحابه أنه أخرج قيمتها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” أخرجه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها،

وعذرهم في هذا القول والله أعلم، أعني العلماء السابقين، هو الواقع الذي عاشوه متمثلا في ندرة النقود في زمنهم، وإشاعة تبادل المنافع بين الناس بالطعام، فيخرج البائع ليبيع خضروات أو سمكا أو ثيابا، أو نحو ذلك فيعطونه مقابلها طعاما قد تعارفوا على مقدار الحصة من الطعام التي تكون بمقابل شرائهم السلعة، فيقولون له بكم هذا الثوب؟ فيقول: بثلاثة آصع من البر أو بصاعين من الذرة، فكان الطعام هو الأساس في تحقيق المنفعة المرجوة، والمادة التي تحظى بالنفع العام، ولا شك أن هذا القول تنصره النصوص حين يتحقق النفع بالطعام المذكور، ولكنهم يقولون لا يصار إلى القيمة مطلقا.

والقول الآخر يجوز إخراج قيمتها، وقد ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وكذا عمر بن عبد العزيز الأموي رحمهما الله ومن وافقهما وكثير من علماء العصر، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأصناف التي يسعد بها الناس، والتي هي مأكلهم المعروف والمألوف، ولهذا قال أبو سعيد رضي الله عنه، وكان طعامنا يومئذ البر والزبيب والشعير والتمر.. الخ، أخرجه البخاري وغيره.

واحتجوا أيضا بخبر معاذ رضي الله عنه في شأن أخذ الثياب ممن لم يجد النوع من المنصوص عليه في الزكاة أو نحوها، معللا ذلك بحاجة فقراء أهل المدينة آنذاك إلى الثياب، وأن المقصود من زكاة الفطر ليس مجرد ظاهر اللفظ، وإنما تحقيق غاية سد الحاجة وحصول الفرحة والسعادة، ومن ذلك حديث أغنوهم ذلك اليوم، ولهذا اتفقت الفتوى على إخراج زكاة الفطر من الأرز، مع أنه لم يرد في النص لفظا، ولكن يشمله المعنى لأنه هو القوت للناس، كما احتجوا بما ورد من أن نصف الصاع من الحنطة يقوم مقام الصاع لجودته، فقالوا هذا دليل على النظر إلى القيمة.

فلو وجد مسلمون في حي من الأحياء في مدينة من المدن، في بقعة من الأرض، في أناس لا يعرفون الشعير ولا يألفونه فلا يقول عاقل بإخراج الشعير إليهم لعدم سد حاجتهم، بل ربما دخل في الحرام لأنه إضاعة للمال، إذ مآله أن يرموا به إن لم يجدوا حلا سوى ذلك، لعدم حاجتهم إليه، ومثله إخراج أكياس من الأرز إلى مجموعة عمال في سكن لا يجدون فيه مؤن الطبخ، ولا يملكون قيمة ما يطبخون به من زيت وملح وبصل وخضروات، ثم إن الشرع يراعي حاجة ومصلحة الفقراء والمساكين، فلو قام مسلم واشترى خمسة أكياس من البر أو الشعير أو الأرز بألف ريال مثلا، وأعطى كل مسكين كيسا، ورأى الفقراء الخمسة أن حاجتهم إلى القيمة أكثر من حاجتهم إلى ذلك الأرز لذهبوا يبيعونه على التاجر بنصف القيمة أو نحوها، فتتحقق المصلحة للتاجر الغني دون تحققها للبائس الفقير، وهذا خلاف حكمة الشرع في أن يعود الأغنياء بالعطاء للفقراء، وإغناء الفقراء والمساكين وسد حاجتهم يوم العيد. وهذا القول وهو جواز إخراجها بالقيمة، إن كانت القيمة هي التي تسد حاجة الفقير والمسكين، والطعام وافق في ظرف من الظروف أنه لا يسد حاجتهم، هو القول الذي تؤيده الأدلة.

وأما حكمة زكاة الفطر : فكما جاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين . من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ” أخرجه أبو داود وابن ماجة بسند حسن .

ووقت إخراجها : قبل العيد بيوم أو يومين كما كان الصحابة يفعلون ؛ فعن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في صدقة التطوع : ” وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ” أخرجه البخاري ، وعند أبي داود بسند صحيح أنه قال : ” فكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين “. وإن اقتضت الحاجة أن يخرجها قبل ذلك جاز، إذا خشي في تأخيرها من عدم وصولها إلى المحتاجين قبل العيد، أو غلب على ظنه ذلك، كما رأى ذلك الإمام الشافعي وبعض الحنابلة رحمهم الله.

و آخر وقت إخراجها صلاة العيد ، لحديث من أخرجها قبل صلاة العيد فهي زكاة فطر، ومن أخرجها بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات.

ومقدارها: من الطعام صاع عن كل مسلم لحديث ابن عمر السابق .

والصاع المقصود هو صاع أهل المدينة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ضابط ما يكال ، بمكيال أهل المدينة كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة ” أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح . والصاع من المكيال ، ومقداره أربع غرفات بكفي الرجل المعتدل، نحو اثنين كيلو ونصف. وأما من غير الطعام ففبما يوافق قيمة المقدار

والمستحقون لزكاة الفطر: هم الفقراء والمساكين من المسلمين ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق : ” .. وطعمة للمساكين ” .

ومكان دفعها تدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه ، و يجوز نقلها إلى بلد آخر على القول الراجح ؛ لأن الأصل هو الجواز ، و لم يثبت دليل صريح في تحريم نقلها .

وبالله التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*