خطبة مكتوبة: المسؤولية الاجتماعية

الحمد لله…

أيها المسلمون: لقد جاءت شريعة الإسلام بالدعوة إلى القيام بالمسؤولية الاجتماعية والمسلم بحق لديه شعور اجتماعي في جميع مراحله العمرية، وإن المتأمل في نصوص الشريعة الإسلامية يجد الدعوة في جميع توجيهاتها إلى القيام بالمسؤولية الاجتماعية، إن الشعور والحس الاجتماعي هو استحضار المسؤولية، وصدق في الانتماء، والقيام بالواجب تجاه المجتمع، كل حسب موقعه ومرحلته العمرية ومكانته، ففي كونه له أبوان وجب عليه برهما في كونه له إخوة وأخوات وجب عليه صلتهم في كونه زوجاً وأباً وجب عليه إحاطة أسرته ورعيته بالنصح القولي والعملي والأخلاقي والسلوكي، وهكذا تتسع دائرة المسؤولية الاجتماعية فتكون على الجميع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع ومسئول عن رعيته ) متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما.

أيها المسلمون: إن الشعور المجتمعي يجعل كل واحد يتحمل مسؤوليته، ويؤدي أمانته بكل كفاءة وتميز وإبداع، يدفعه إيمانه بالله تعالى، والرغبة الصادقة في خدمة مجتمعه ورقيه وتقدمه، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم :(على كل مسلم صدقة). قالوا: فإن لم يجد؟ قال:( فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق). قالوا: فإن لم يستطع؟ قال :(فيعين ذا الحاجة الملهوف). قالوا: فإن لم يستطع؟ قال: (فليتق الله ولو بشق تمرة). قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ( فليكف نفسه عن الشر، أو قال: فليكف شره عن الناس فإن له بذلك صدقة).

في الحديث توزيع المهام وحث على الشعور بالآخرين الذين يعيشون معنا في المجتمع، والاجتهاد في إعانتهم قدر المستطاع والمتاح، وإذا قام كل واحد بواجبه على أحسن حال وأفضله، فإنه يشارك في بناء مجتمعه، ويشيد حضارة وطنه بإيجابية، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا). أي يقوى كل فرد بالآخرين، ويسهم في دعم أبناء مجتمعه، ويساعد الناس بعضهم بعضا، ويتعاونون فيما بينهم على الخير والمعروف، قال الله سبحانه: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب)، وبهذا التعاون والتآزر والشعور المتبادل تتقدم المجتمعات، ويرتفع البنيان، ويزداد العمران، فالكل عليه مسؤولية اجتماعية سواء كان في مجال التجارة أو في مجال الطب أو في مجال الهندسة أو في مجال الإدارة أو في أي عمل يقوم في أي مهنة أنت مسؤول اجتماعي، لنتأمل في النصوص التي تدل على إماطة الأذى عن الطريق ونصوص الإحسان إلى الجيران ونصوص حفظ حقوق اللآخرين نصوص حفظ حق الطريق كذلك النصوص التي فيها الأمر بحفظ اللسان وحفظ البصر وفيها النهي عن الغيبة والنميمة والحسد وفيها النهي عن الكذب والزور والإشاعات المؤذية، والنهي عن إيذاء الناس في طرقهم وظلهم ومواردهم، كل هذه التوجيهات تبني الحياة الاجتماعية على مسؤولية عظيمة ، بل إن الضروريات الخمس التي جاءت بها شريعة الإسلام حفظ الدين وحفظ العقول وحفظ الأموال وحفظ الأنفس وحفظ النسل كلها تصب في المسؤولية الاجتماعية، فلا تناط هذه الضروريات بواحد فرد يعيش منعزلاً بل تعني المجتمع يجب أن يعيش المجتمع الإنساني آمناً في دينه آمنا في عقلياته وقواه آمناً في أمواله وأعراضه آمناً أسرته ووطنه .

من أين يبدأ الشعور المجتمعي؟ يبدأ بقيام الإنسان بأهم واجباته، فيعتني بأسرته، التي هي نواة المجتمع، فيبر والديه ويحسن إليهما، قال تعالى: ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا)، فاستشعار المرء حق والديه حافز عظيم ودافع كبير لرعايتهما وخدمتهما؛ لأن رضا الله في بر الوالدين وأداء حقوقهما، ثم يقوم الإنسان برعاية حق زوجته وبناته وأبنائه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته). وتتسع دائرة الشعور المجتمعي فيرعى حق جاره، ويحفظ حرمته، قال الله عز وجل :(والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب). وهكذا يعطي الشعور المجتمعي الإنسان رغبة في العيش مع أفراد مجتمعه، والتفاعل الإيجابي معهم على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم وأجناسهم ومذاهبهم، فالأخلاق الجميلة, والتعامل الراقي مع الآخرين، والاحترام المتبادل، والبر والإحسان إليهم، وحسن الجوار معهم، وإقامة العلاقات الطيبة, وحب الخير لهم، وعدم إيذائهم، وصون أعراضهم وأموالهم، مما أمر به ديننا الحنيف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده) وكل هذه سلوكيات مجتمعية راقية تعزز التواصل والتقارب والعيش المشترك, وتفتح آفاقاً واسعة ورحبة في التعامل الإيجابي بين أفراد المجتمع.

أيها المسلمون: إن شعور الإنسان بمجتمعه يحفزه على اتباع القوانين والأنظمة التي تنظم سير الحياة في المجتمع، فقد وضعت لرعاية مصالح البلاد والعباد، ولإقامة المنافع ودفع المضار، والحفاظ على المقدرات، وصيانة الأرواح والمكتسبات، ليعم الخير المجتمع، ويثاب المرء على قصده وسعيه، ويؤجر على عمله: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا)، احذر أن تغش في تعاملك أو تؤذي في كلامك وخطابك وجوابك أو تسيء في أخلاقك وسلوكك لأنك مسؤول اجتماعي.

لذلك صنف الانزواء والانطواء والرهاب الاجتماعي والانفصام المجتمعي والتوحد والانفراد أنها أمراض نفسية يجب أن تعالج لأنها ليس لها صلة بالحياة الاجتماعية مقطوعة حلقة الوصل بالمجتمع فهي أمراض نفسية يجب أن يعالج هؤلاء في المصحات النفسية فلست منفرداً منزياً أيها الإنسان بل أنت مسؤول اجتماعي يجب أن تكون عضواً حياً مفيداً في المجتمع وقد وعد الله بالحسنات الكثير في حسن التعامل وحسن الأخلاق.

اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبسنة نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*