مكانة بيت المقدس في الإسلام

الحمد لله…

أيها الناس: إنه يجب على كل مسلم أن يكون مدركاً لعظمة مقدسات الله جل وعلا، لا بد أن نعرف نحن المسلمين ويعرف أبناؤنا وأجيالنا عن شأن المسجد الأقصى المبارك ومكانة بيت المقدس، حتى ندرك أهمية الاهتمام الإسلامي ببيت المقدس، وليعرف العالم أن المسلمين مهما انشغلوا بأمور فإنهم لا تشغلهم عن الاهتمام بالمسجد الأقصى فهو قضية المسلمين العظمى بسبب ما يمر به المسجد الأقصى من اعتداءات اليهود وأعوانهم.

 

إن أرض فلسطين والقبلة الأولى هي سكن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وسكن أتباعهم المؤمنين، فنبينا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام هاجر لفلسطين ولوط عليه السلام نجاه الله من العذاب الذي نزل على قومه وأخرجه سالماً إلى بيت المقدس الأرض المباركة، وهي أرض فلسطين وداوود عليه السلام عاش في فلسطين وبنى محرابه فيها، وداوود عليه السلام عاش بها وسليمان عليه السلام حكم العالم كله من فلسطين، وقصته مع النملة ( قالت يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) كان بمكان يقال له وادي النمل بفلسطين بجوار عسقلان، وزكريا عليه السلام بنى محرابه بفلسطين في الأرض المباركة، وموسى عليه السلام طلب من قومه الذين آمنوا به أن يدخلوا الأرض المقدسة وسميت المقدسة لأنها مطهرة من الشرك والأوثان، وجعلت بلاد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام في بيت المقدس، وعيسى عليه السلام ولد في فلسطين بالأرض المباركة، وفلسطين هي أرض المحشر والمنشر ويقتل عليها يأجوج ومأجوج وحصلت في فلسطين قصة طالوت وجالوت وعزير عليهم السلام.

 

كما أن فلسطين هي مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقطة انطلاق معراجه إلى السماء، قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، ولقد كان بيت المقدس هو قبلة المسلمين حين فرض الله الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبقي متعلقاً بمكة المكرمة حيث ولد عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يستقبل في صلاته الكعبة المشرفة المسجد الحرام الذي هو أول بيت وضع على الأرض، وسمي المسجد الذي كان يصلي فيه إلى المقدس ثم إلى المسجد الحرام سمي بذي القبلتين، فبيت المقدس محل الإسراء ومحطة المعراج إلى السماء، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالرسل والأنبياء، فالقدس مقر الأنبياء، وفي صحيح البخاري أن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد بني على الأرض فقال: (المسجد الحرام قال ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصل فالأرض كلها مسجد).

أيها المسلمون: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه رغم انشغاله بالخلافة وحرب أهل الردة وحرب مانعي الزكاة إلا أن كل ذلك لم يشغله عن إنفاذ الجيش إلى الشام على الرغم من الحاجة إلى الجيش للمعارك ضد أهل الردة والتمرد الخارجين على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خرج بنفسه إلى أرض فلسطين وحررها من طغيان الرومان آن ذاك، ثم فتحها بعد ذلك صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وحررها من دنس الطغاة، ثم جاء النصارى ومعهم قوى الشر من أعوانهم ومكنوا لليهود من أرض فلسطين الجريح، وأرادوا بذلك إذلال المسلمين، ونهب ميراث وأوقاف المسلمين، وتدنيس مقدسات المسلمين التي ورثوها عن الأنبياء والمرسلين.

يجب أن ندرك عظمة المسجد الأقصى وأن نورث هذه العظمة لأبنائنا وأجيالنا، فالمسجد الأقصى يمر باعتداءات سافرة من اليهود وأعوانهم، ولقد سمي بيت المقدس بهذا الاسم للقدسية التي يمتاز بها، فأرض فلسطين والشام هي أرض رباط، فقدسية المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى قدسية متماسكة لا ينفك بعضها عن بعض، قال تعالى:( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قال كثير من المفسرين هذه الآية فيها البشارة بأن الأرض المقدسة سيرثها المسلمون عباد الله الصالحون، ولا نصيب فيها لليهود والنصارى وسائر المشركين، وقال بعضهم إن المراد بالأرض في هذه الآية هي الجنة، وإن المسجد الأقصى والمسجد النبوي والمسجد الحرام تتضاعف فيها حسنات المصلين المسلمين، كما في الحديث النبوي.

إن المساجد والمقدسات الإسلامية التي عمرها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هي بمثابة الميراث، فالأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، وورثوا البلاغ عن الله بمنهجه الإسلامي الدين الذي ارتضاه الله، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، والمسلمون هم ورثة الأنبياء والرسل، لأنهم أطاعوهم ولم يفرقوا بين أحد منهم، وجميع الأنبياء يدينون بدين الإسلام عقيدة وأخلاقاً، أما الكفرة من اليهود والنصارى وكل من خالف دين الإسلام فليس لهم حظ ولا نصيب في مقدسات الله ومساجده، ولا يحق لأي كافر أن يرث شيئاً من مساجد الله ومقدساته حتى يسلم ويدين بالإسلام.

إن الله تعالى جعل أفضل الأماكن وأطيب البقاع التي تقام فيها الصلاة، مساجدَه وبيوتَه التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فقال سبحانه (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).

 

من المعلوم شرعاً، معشر المسلمين، أن أجل هذه المساجد وأعظمها حرمة، عند الله سبحانه وفي قلوب ونفوس أمة الإسلام، المساجدُ الثلاثة: المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، والمسجد الأقصى بالقدس الشريف، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم، إبرازاً لمكانتها، وتبشيراً بجزيل ثواب الصلاة فيها: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).

المسجد الأقصى، أيها المومنون، إليه  كان مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نقطة انطلاق المعراج بنبينا إلى السموات العلى، واتخذه النبي صلى الله عليه وسلم قبلة للصلاة قبل أن تتحول القبلة إلى الكعبة المشرفة، فكان المسجد الأقصى بذلك أولى القبلتين وثالث الحرمين، وفي ذلك كله أعظم دلالة على الربط القائم بين المساجد الثلاثة في الإسلام، وذلكم ما ذكره الله تعالى وخلده بقوله الكريم في أول سورة الإسراء، (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا).

نشاهد في هذا العصر الاعتداءات المتكررة على مقدسات الله في فلسطين في الأرض المباركة، بينما ينشغل كثير من المسلمين بعداوة بعضهم لبعض!

علينا أن ندرك أن حصول النصر للمسلمين هو نتيجة قوة إيمانهم، يقول الله تعالى في كتابه المبين: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً).

اللهم كما نصرت الإسلام فانصر المسلمين واهدهم طريقك المستقيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*