دور الأخوة الإسلامية في حفظ أمة الإسلام

الحمد لله …

أيها الناس: إن من أُصول الإيمان وقواعِد الإسلام وضروريات الشريعة المطهرة: تحقيقُ الأُخُوَّة في الله بين المُسلمين، فلزوم الأخوة في الله ضرورة من ضروريات الشريعة الإسلامية وأصل من أصولها، أمر الله بها عباده أمراً جازماً لا صارف له فقال عز وجل ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( وكونوا عباد الله إخواناً ) أي أقيموا الأخوة الإسلامية فيما بينكم، وجاء التعبير في القرآن عن الأخوة في المؤمنين بصيغة الحصر، وهي صيغة من دلالات الوجوب والفريضة ونشر المودَّة في مُجتمعات المؤمنين، قال – جل وعلا -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ كما جاء أيضاً في الحديث النبوي صيفة الحصر بأسلوب تعريف طرفي الجملة، قال النبي صلى الله عليه وسلم -: (المسلم أخُو المسلم).

أيها المسلمون إن هذا الأصل العظيم والمبدأَ المتين يقتَضِي حقوقًا وواجبات، ويتطلَّبُ مسؤوليَّات والتِزامات، يقول ربُّنا – جل وعلا -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعض﴾، إنها أُخُوَّةٌ تقتَضِي أن يسيرَ المسلم في حياتِه تجاهَ المسلمين بكل مسلَكٍ كريمٍ وخلٍق مستقيمٍ، قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه).

إنها الأُخُوَّة التي تحمِلُ الصدقَ من القلبِ في جلبِ المصالِح والمنافِع إلى المُسلمين، ودرءِ الشُّرور والأذى عن المُؤمنين، قال – جل وعلا -: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (المسلمُ من سلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه).

إن الأُخُوَّة الإيمانية أصلٌ كبيرٌ في الإسلام، يُزاوِلُه المسلمُ في علاقته بإخوته المُسلمين ومُجتمعه المُسلم مُزاولَةً عباديَّة، ويُمارِسُها كشعيرةٍ من شعائِر الإيمان، يقومُ بها المسلم كفريضةٍ عظيمةٍ لا يدفعُه عنها غرضٌ نفعيٌّ ولا مصلحةٌ ذاتيَّةٌ، وبهذا يصيرُ المُجتمع المسلم كما أرادَه الشرعُ العظيم كالبُنيان الواحِد يشدُّ بعضُه بعضًا، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنُ للمُؤمن البُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا) وشبَّك بين أصابِعه، بل يصير بها المسلمون كالجسد الواحد،

كما في قولِه صلى الله عليه وسلم : (مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَلِ الجسَد الواحِد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسهَر والحُمَّى).

من مُنطلقات هذه الثوابت الإيمانية والأصول الإسلامية فإن أمة الإسلام مُطالبَةٌ أن تُحافِظَ على وحدتها الإسلامية، وصفِّها الإيمانيِّ، وأن تحذَر من مكر الأعداء ومُخطَّطاتهم في تفريق الصُّفُوف، وتمزيق وحدة المسلمين، وبثِّ وسائل العداوة بينهم، ونشر عناصِر البَغضاء في مُجتمعاتهم، ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾، فالأعداء الكفرة اتخذوا من التفريق والتمزيق بين المسلمين هدفاً مهماً لبلوغ مكرهم وللوصول إلى تحقيق الفساد في الأرض، وقد فضح الله اليهود بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعاتب المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)، أي كافرين بالأخوة ومتجاهلين للدعوة النبوية إلى الأخوة.

أيها المسلمون: إن من أعظم الأهداف التي سعى لتحقيقها النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة وحين كان بالمدينة والتي سطرتها سيرته العظيمة أنه اهتم بالدعوة إلى كلمة التوحيد وإلى توحيد الكلمة، جعل هذين الأمرين أصلاً في دعوته ، فدعا إلى توحيد الله بالإخلاص في العبادة له وحده لا شريك له ودعا إلى توحيد الكلمة بالدعوة إلى الأخوة الصادقة، والمتأمل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في توضيح منهجه وفي أقواله وأفعاله وأخلاقه وتقريراته يدرك أنها متضمنة لهذين الأمرين العظيمين، كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، إلى توحيد الله وإلى توحيد الأخوة في الله، يجب أن نتمسك بالأخوة في الله في المعتقد والأقوال والأفعال والأخلاق والسلوك والتعاملات.

إن ما تُعانيه أمة المسلمين اليوم من تفرُّق المُجتمع الواحد، وانتِشار ثقافَة العداوَة والبَغضاء في مُجتمعٍ واحدٍ حتى آلَ الأمرُ إلى حملِ بعضِهم السلاحَ على بعضٍ لأمرٌ لا يُرضِي ربَّ العالمين، ولا يستقيمُ مع أحكام الدِّين، ولا يتَّفقُ مع وصايا سيِّد الخلقِ – عليه أفضل الصلاة والتسليم -.

أمة الإسلام: احذَروا من أسباب التفرُّق، تجنَّبوا عوامِل الفتن، احذَروا من أفعالٍ تُؤدِّي إلى مفاسِد لا تُحصَى، وشرورٍ لا تتناهَى من سفكِ الدماء، وهَتك الأعراض، وإفساد المُقدَّرات، وخَلخَلة الصفِّ، وزوال هيبَة مُجتمع المُسلمين، والأعداءُ يتفرَّجون فرِحين مُستبشِرين.

فذلكم ما يقعُ في الأمة، ذلك هو بُغيةُ الأعداء وهدفُهم ومقصدُهم وغرضُهم، ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾

فما تجرأ اليهود على العبس بقدرات ومقسات المسلمين إلا لعلمهم أن ردة الفعل من المسلمين ستكون ضعيفة بسبب ما حل بالمجتمعات الإسلامية من شتات، وقد حلَّت النَّكبَات ووقعَت المثُلات في المسلمين ببعدهم عن الأخوة في الله وسلوكهم مسالِك العداوات الهَوجاء، والتعاملات العَوجاء، يقول – صلى الله عليه وسلم – مُخاطِبًا بخطابٍ صريحٍ يفهمُه كلُّ أحدٍ: (من صلَّى صلاتَنا، واستقبلَ قبلتَنا، وأكلَ ذبيحَتنا فذلك المسلم الذي له ذمَّةُ الله وذمَّةُ رسوله)؛ رواه البخاري، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: (المسلم أخو المسلم لا يظلِمه ولا يخذُلُه ولا يحقِره، كل المُسلم على المسلم حرامٌ دمُه ومالُه وعِرضُه)، ألا وإن من علامات التوفيق، وعلامات السعادة: أن يكون المسلم سببًا للأُلفة وعاملاً لجمع الكلمة ووحدة الصفِّ،

وإن من الخُذلان والخُسران: السعيَ بالإفساد بين المسلمين، ونشرَ أسباب العداوة بينهم، يقول ربُّنا – جل وعلا -: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: (ألا أخبِرُكم بأفضل من درجَة الصيام والصدقة والصلاة؟). قالوا: بلى. قال: (إصلاحُ ذاتِ البَيْن).

إن الإسلام وهو يؤكِّدُ على تحريم الأُخُوَّة الإيمانية ليُحرِّم تحريمًا تأكيدًا أن يحمِل المسلم البغضاءَ للمؤمنين والعداوةَ للمسلمين، مما يُثيرُ فتنًا لا تُحصَى، قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا تباغَضُوا، ولا تحاسَدوا، ولا تدابَروا، ولا تقاطَعوا)، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (تُفتَحُ أبوابُ الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفَرُ لكل عبدٍ لا يُشرِك بالله شيئًا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شَحناء، فيُقال: أنظِروا هذين حتى يصطلِحَا).

ينبغي على مل مسلم أن يحرِص على سلامة قلبِه من الغلِّ لإخوانه المسلمين، مهما اختلفَ معهم في وجهات النَّظر.

يجبُ عليه أن يُحبَّ لهم كل خيرٍ وصلاحِ ونفعٍ، فنبيُّنا – صلى الله عليه وسلم – يقول: (من أحبَّ أن يُزحزحَ عن النار ويُدخَل الجنة فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأْتِ إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه)، أين نحن يا أمة الإسلام من تحقيق الوئام والحب والسلام؟!

أيها المسلمون: إن الصوت الذي يجب أن يدوي في كل مكان، ولا سيما في هذا الزمان هو صوت الدعوة إلى الأخوة الإسلامية، صوت الدعوة إلى تآلف القلوب ووحدة الصف وصدق المحبة في الله،

وما أحوجَنا – نحن أمَّةَ الإسلام – خاصَّة في هذا الزَّمان الذي ساد فيه التفرُّق والتشرْذُم بين أبناء الأمَّة، فأضعْنا مجدًا تليدًا، وتكالب عليْنا الأعداء من كل حدب وصوب، بسبب أننا بِتْنا مفرَّقين مشتَّتين، ربَّما على مستوى الأسرة، فضلاً عن مستوى الجيران والأحياء فضلاً عن الأقطار  والبلدان والأمصار.

لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أمة الإسلام إلى التمسك بالأخوة في الله، والقيام بالحقوق فيما بينهم كما أمر الله، فأحيا به الله القلوب بعد ممات وجمع الله به الناس بعد شتات، وألف الله به بين القلوب وجمع به بين الشعوب، وكما حرص على الدعوة إلى تحقيق كلمة التوحيد فلقد دعا أيضا إلى تحقيق توحيد الكلمة، هذا في باب الخبر وأما في باب الأوامر فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع بعيادة المريض واتباع الجنائز وإبرار المقسم وتشميت العاطس وإفشاء السلام وإجابة الدعوة ونصر المظلوم) متفق عليه ، وفي باب النواهي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا ولا تناجشوا ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض) متفق عليه واللفظ لمسلم.

ذلك لأن الأخوة في الله تعني النصر والقوة والعزة، (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) وكما أن الأخوة تعني النصر فإن الفرقة والشتات تعني الهزيمة والانحطاط، قال تعالى:(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)

وقال تعالى في سورة الحجرات التي اشتهرت آياتها بالدعوة إلى الأخوة والتحذير من الوسائل التي تفرق ولا تجمع قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

إِخْوَةَ الإِيمَانِ لَقَدْ سَمَّى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً لِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ رَابِطَةِ الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ وَرَابِطَةُ العَقِيدَةِ أَقْوَى رَابِطٍ وَبَيَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّرِيقَ إِلَى مُقَوِّمَاتِ الأُخُوَّةِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً »[رواه البخاري].

فَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ أَرَادَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ تَحْقِيقِ ظَنِّ السُّوءِ وَتَصْدِيقِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعاً وَلَمْ يُرِدْ مَا يَهْجِسُ بِالقَلْبِ مِنْ خَوَاطِرِ الظُّنُونِ فَإِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ « لاَ َيِحُّل لِمُسْلِمٍ يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً أَنْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَىْءٍ مِنَ الخَيْرِ مَصْدَرًا »[شرح البخاري لابن بطال] اهـ أَيْ مَحْمَلاً، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ  رَضِيَ اللهُ عَنْهُ « مَنْ عَلِمَ مِنْ أَخِيهِ مُرُوءَةً جَمِيلَةً فَلاَ يَسْمَعَنَّ فِيهِ مَقَالاَتِ الرِّجَالِ، وَمَنْ حَسُنَتْ عَلاَنِيَتُهُ فَنَحْنُ لِسَرِيرَتِهِ أَرْجَى » اهـ فَالمرَادُ بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَةُ الَّتِي لاَ سَبَبَ لَهَا كَمَنْ يَتَّهِمُ رَجُلاً بِالفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَى الظَّنِّ قَوْلَهُ وَلاَ تَحَسَّسُوا وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فَيَتَحَسَّسُ وَيَبْحَثُ وَيَتَسَمَّعُ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، فَالتَّحَسُّسُ إِخْوَةَ الإِيمَانِ هُوَ البَحْثُ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ بِالعَيْنِ أَوِ الأُذُنِ وَأَمَّا التَّجَسُّسُ فَهُوَ البَحْثُ عَنْ مَا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الشَّرِّ.

 

أَمَّا التَّنَاجُشُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَهُوَ مِنَ النَّجْشِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ الشَّخْصُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ وَهُوَ لا يُريُد شِرَاءَهَا بَلْ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ فَيَشْتَرِيَهَا كَأَنْ يَقُولَ هَذِهِ أَدْفَعُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَيَذْكُرُ ثَمَنًا عَالِياً لِيَخْدَعَ الْمُشْتَرِيَ فَيَظُنَّ أَنَّهُ إِنِ اشْتَرَاهَا بِالسِّعْرِ الْمَعْرُوضِ يَكُونُ رَابِحاً، وَهَذَا النَّجْشُ حَرَامٌ فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْدَعَ أَخَاهُ.

وَأَمَّا الحَسَدُ فَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ المُسْلِمِ مَعَ العَمَلِ بِمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ مِنْ إِرَادَةِ إِزَالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ المسْلِمِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَلاَ تَبَاغَضُوا فَمَعْنَاهُ لاَ تَتَعَاطَوْا أَسْبَابَ البُغْضِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الصِّفَاتِ المذْمُومَةِ البَاعِثَةِ للِتَّبَاغُضِ.

أَمَّا التَّدَابُرُ فَهُوَ المعَادَاةُ وَقِيلَ الْمُقَاطَعَةُ وَسُمِّيَ ذَلِكَ تَدَابُراً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ المتَعَادِيَيْنَ يُوَلِّي صَاحِبَهُ دُبُرَهُ. وَإِنَّمَا بَدَأَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِالنَّهْيِ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ التَّبَاغُضَ وَالتَّحَاسُدَ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا سُوءُ الظَّنِّ وَذَلِكَ أَنَّ الـمُبَاغِضَ وَالـمُحَاسِدَ يَحْمِلُ أَفْعَالَ مَنْ يُبْغِضُهُ وَيَحْسُدُهُ عَلَى أَسْوإِ مَحْمَلٍ.

أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً يَعْنِي يَا عِبَادَ اللهِ كُونُوا إِخْوَاناً يَعْنِي اكْتَسِبُوا مَا تَصِيرُونَ بِهِ إِخْوَاناً كَإِخْوَانِ النَّسَبِ فيِ المعَامَلَةِ فَلْيُعَامِلْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِالشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالـمَحَبَّةِ وَالـمُوَاسَاةِ وَالـمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الخَيْرِ، كُلُّ ذَلِكَ مَعَ صَفَاءِ القَلْب.ِ

 

أَخِي الْمُسْلِمَ أَلَسْتَ تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلَكَ النَّاسُ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ ؟ فَعَامِلْهُمْ أَنْتَ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوكَ بِهِ .. أَلَسْتَ تُحِبُّ أَنْ يُحَسِّنَ النَّاسُ الظَّنَّ بِكَ وَيَتَأَوَّلُوا لَكَ أَفْعَالَكَ عَلَى خَيْرِ مَحْمَلٍ مَا وَجَدُوا لِذَلِكَ مَحْمَلاً ؟ فَعَامِلْهُمْ أَنْتَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، أَلاَ تُحِبُّ أَنْ تَرْبَحَ فِي تِجَارَتِكَ وَأَنْ يُوَسَّعَ عَلَيْكَ فِي الرِّزْقِ؟ فَلاَ تَحْسَدْ أَخَاكَ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ سَعَةِ الرِّزْقِ، أَلاَ تُحِبُّ أَنْ تُقَالَ عَثْرَتُكَ ؟ فَأَقِلْ عَثرَاتِ إِخْوَانِكَ، أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يُسَامِحَكَ النَّاسُ إِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِمْ وَأَنْ لاَ يَحْمِلُوا حِقْداً فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْكَ ؟ فَٱعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يَنْصَحَكَ النَّاسُ بِالرِّفْقِ إِنْ رَأَوْكَ تَكَادُ تُهْلِكُ نَفْسَكَ ؟ فَٱبْذُلِ النَّصِيحَةَ بِالحِكْمَةِ وَاللِّينِ، أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يَصْبِرَ النَّاسُ عَلَيْكَ ؟ فَٱصْبِرْ عَلَى أَذَى النَّاسِ وَتَلَطَّفْ بِهِمْ أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلَكَ النَّاسُ باِلحُسْنَى وَبِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ ؟ فَلاَ تَحْقِرَنَّ مُسْلِماً وَلاَ تَتَكَبَّرْ وَعَامِلْهُمْ بِالَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوكَ بِهِ.

 

إِنَّا إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ زَادَتِ الـمَوَدَّةُ بَيْنَنَا وَتَعَاضَدْنَا حَتَّى نَصِيرَ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَتْ لَهُ بَاقِي الأَعْضَاءِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ وَصِرْنَا حَقَّ الإِخْوَةِ. وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ وَيرْضَى وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ).

ومن فضائل الأخوة: أن المتآخين في الله في ظل الله تعالى: روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي الْيَوْمَ؟ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)، وعنه -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ.. -وذكر منهم-: وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ)

ويكفى المتاحبين والمتآخين في الله شرفاً وفضلاً أن يكونوا تحت عرش الله يوم يخاف الناس وتكون الشمس منهم مقدار ميل.

ومن فضائل الأخوة في الله أن المتآخين يغبطهم النبيون والشهداء، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”).

ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ).

أيها المسلمون:

إن الأخوة الإيمانية واجب ديني،  وفريضة شرعية، وليست مجرد موقف نفسي أو تنظير فلسفي، بل هي مجموعة من الأعمال تظهر إلى حيز الوجود، وتعبّر عن حقيقة الأخوة، ومن ذلك السلوك العملي المستلزم للمحبة في الله:

محبة المسلم في الله وموالاته، والمداومة على ذلك ما دام الأخ على عقد الإيمان: فتلك المحبة ليست أمراً اختيارياً بل هي من صميم إيمان المسلم،  قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا).

وقد أرشد المصطفى -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين أن يخبروا بعضهم  بهذه المحبة، روى أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره قال: “مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعِنْدَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ جَالِسٌ فَقَالَ الرَّجُلُ:” وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (قُمْ فَأَخْبِرْهُ تَثْبُتْ الْمَوَدَّةُ بَيْنَكُمَا) فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: أَنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، أَوْ قَالَ: أُحِبُّكَ لِلَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي فِيهِ).

وأرشد المصطفى صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يتعاهدوا هذه المحبة وينموها بطرق متعددة، منها الإهداء من غير تكلّف فقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ).

وأرشدهم إلى السلام لإدامة المحبة فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ).

 

إن الأخوة في الله منة ينعم بها الله -تعالى- على عباده الصالحين، فتأتلف قلوبهم وتتوثق روابطهم؛ كما أنعم على الجيل الأول والرهط المبارك من الصحابة -رضوان الله عليهم- (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم)، جاء هذا التأليف بعد امتحان للقلوب واختبار للنوايا، فلما صدقوا نزلت عليهم النعمة وغشيتهم الرحمة.

إن أول  عمل قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته إلي المدينة -بعد بناء المسجد- هو مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، إذ بهذه المؤاخاة شدت لبنات المجتمع الإسلامي إلى بعضها البعض، وارتفع صرح الجماعة الإسلامية عالياً متيناً، فاستعصى على محاولات الهدم والتخريب التي سعى بها يهود المدينة وأعوانهم من المنافقين والمرجفين، وقد ضربوا في ذلك أروع الأمثلة مما تفيض به كتب التاريخ وتزدان به مصنفات التراجم والسير، حتى قال القائل واصفاً موقف الأنصار من المهاجرين:

لا عجب، فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- معهم يسدد خطواتهم ويوجه أعمالهم، والقرآن الكريم يبني بهذه المجموعة المباركة مجتمع القدوة ومنارة التأسي ليستضئ المسلمون من بعدهم بنورهم الساطع، ويقتفوا آثارهم الواضحة، كلما ادلهمت بهم الخطوب، ونابتهم نوائب الحياة.

 

في زمان المادية الطاغية المعاصر الذي نعيشه، حيث يقاس كل إنسان بما يملك من أصول، ويوقر بقدر ما يحوز من نفوذ، ما أحوجنا إلى معنى الأخوة في الله! وما أعوزنا إلى أن نتحلى به وننشره بين المسلمين؛ حتى نجد حلاوة الإيمان، ونتذوق نعيم الأخوة الخالصة، وللأخوة الصادقة حلاوة لا يعرفها إلاّ من عاشها، حلاوة لا تدرك بمجرد العلم والمعرفة، وكما قيل:

 

الذين عاشوا الأخوة في الله، وجدوا الطمأنينة والسلام في عالم يعاني من القلق والتوتر، وتيقنوا أن الأخ الحقيقي ليس بالضرورة أن تلده أمك، فنعموا بالعديد من الإخوان ينتشرون في بقاع الأرض، بعضهم رأوهم وعايشوهم، وبعضهم تبادلوا معهم الحب الصافي، والمودة الخالصة على تباعد المسافات.

وقد حُكِيَ أن أحد الدعاة كان يجهش بالبكاء كلما زار بلداً أوروبيا، فيجد العديد من إخوانه يستقبلونه في المطار، ويعانقونه بشوق شديد، ويخدمونه وهو لم يرهم من قبل!

إن الحضارة الغربية الفاجرة ساهمت في تفكيك علاقتنا بعد أن جزّأت أوطاننا، وأثرت في صياغة أخلاقنا بعد أن استباحت مناهج تعليمنا ووسائط إعلامنا.. فنتج عن ذلك مسخ مشوه من المجتمعات لاهي بالمجتمعات الإسلامية ولا هي بالمجتمعات الغربية.!

 

لعل من أكبر العوامل في بناء مجتمعاتنا وصياغة أخلاقنا على المنهج الإسلامي تمثل روح الأخوة في الله، ونشرها في كل المجتمعات الإسلامية، ذلك أن أولى علامات العافية لهذه المجتمعات هو الشعور بالجسد الواحد، والتداعي بالتالي إلى سد الثغرات وإزالة التشوهات، والأخوة في الله كفيلة -بإذن الله- بإحداث النهضة الاجتماعية التي ننشدها، وعودة المجتمع الإسلامي مرة أخرى إلى الشهود والوجود، ليهدي الحائرين ويسعد البائسين.

عباد الله: ما أسعد الإنسان عندما يعيش هذه المعاني الإيمانية الرفيعة، تلك المعاني التي لا تقف دونها لغة ولا أرض ولا بلد ولا لون، إنها معاني الأخوة في الله على دين الإسلام..

 

لقد أفلست تلك القوميات الضيقة وذهبت أدراج الرياح؛ لأنها أسست على غير الإسلام، ومنها ما يسمى رابطة القومية العربية التي ماتت بعد ولادة مشوهة ظلت تعاني من تلك التشوهات فترة ليست بالقصيرة.. وأحس المسلمون في أقطار العالم العربي والإسلامي والعالمي بضرورة العودة إلى المعين الصافي والأخوة الصادقة، وركل تلك القوميات التي فرقت المسلمين إلى قوميات ضيقة متناحرة، ودويلات كثيرة ضعيفة تهزها ويلات الأعداء وضغوطات اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*