اعف واصفح وسامح فأنت الرابح

الحمد لله…

أيها المسلمون: ونحن نعيش في بداية عام هجري جديد، فالأنفس المؤمنة تقوم بتجديد الإيمان وتجديد التوبة وتجديد النشاط في اللأعمال الصالحة، ومن أهم أبواب العمل الصالح العفو والمسامحة، ونحن نشاهد تقلب الأيام والليالي وتسارعها ما أحوجنا إلى المغفرة ونيل الأجر الكثير والثواب الكبير من اللطيف الخبير، حين نعفوا ونصفح، قال تعالى: ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) وقال تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) والمعنى أن من عفا ابتغاء وجه الله، فلم يقابل السيئة بمثلها وهو قادر ولكنه عفا وأصلح بالعفو بينه وبين أخيه المسلم أو أختها المسلمة فسيكسب وينال بذلك الأجر العظيم من الله، بل أعظم من ذلك من أصلح وزاد على ذلك أن قابل السيئة بالحسنة، وأهدى إلى الآخر هدية أو أعانه على نيل منفعة أو دفع عنه الضرر، فمن عفا وأصلح ليس كمن عفا فقط، فلذلك كان الجمع بين الأمرين يحاج إلى كثير من الصبر ومن جمع بينهما فهو ذو حظ عظيم، قال تعالى: ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور )، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).

المسلم يعفو ويصفح، لينال أجر المتقين، كما قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، الله تبارك وتعالى أعد جنته للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وهو ـ سبحانه ـ يعطي بمنه وكرمه صاحب العفو أعظم من حقه الذي تنازل عنه، كيف لا وهو الذي دعاه إلى العفو! ولكن الشيطان يحرص على إبقاء أسباب العداوة وغل الصدور الموجب للقطيعة بين المسلم وأخيه.

أيها المسلمون: إن المسامح هو الرابح، ثم اعلموا أنه لا يكفي مجرد المسامح اللفظية، والتي صارت تخرج من الأفواه، ولا يقصد بها العفو التام ‏أحياناً، وإنما هي كلمة تجري على اللسان، فعلى المسلم أن يعفو صادقاً من قلبه، ويترجم عفوه في أعماله وأقوله، فإن المرء إذا أساء إليه مسلم، فالأفضل له عند الله تعالى والأتقى أن يعفو ‏ويصفح ابتغاء وجه الله تعالى، وله على ذلك الأجر الجزيل عند الله سبحانه وتعالى، قال ‏تعالى: ( وأن تعفوا أقرب للتقوى).

ألا وإن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية الالتزام بالعفو إلا إذا كان عفواً إن حصل عمت الفوضى، فلا يجوز حينئذ العفو عن الظالم والمعتدي، سواء كان من أقاربه أو أصحابه أو أي أحد آخر، لأن العفو عن الظالم والمعتدي يؤدي إلى تشجيعه على ارتكاب الاعتداء، والتي تترتب عليها عواقب وخيمة، وسواء كان اعتداؤه على الممتلكات الخاصة او العامة.

قال الله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ )

أثبت الله للمظلوم حقه في الانتصار لنفسه ودفع الظلم عنه عدلاً منه سبحانه وتعالى، وحثه في أول الآيات وآخرها على العفو والصفح والمصالحة رحمة منه وحكمة، لما في ذلك من لمِّ الشمل وسد باب الفرقة والتنازع الذي قد يؤدي إلى ماهو أشنع وأفظع، ولما فيه من قطع دابر الشيطان وما يريده من إيقاع العداوات والبغضاء بين الناس، وقد وعد الله تعالى المظلوم بنتائج طيبة جراء عفوه وصفحه، ومنها أنه بعفوه وصفحه قد يصير المعتدي تائباً مستغفراً وولياً رحيماً مسالماً، وأن الله سبحانه وتعالى يرفع قدر المظلوم ودرجته، على خلاف ما تتصوره العامة من الناس حيث يظنون أن العفو مذلة، والصفح مسكنة.
قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن فإنه: ما نقص مالَ عبد صدقةٌ، ولا ظلم عبد بمظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزاً، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر) رواه الإمام أحمد، وبنحوه في صحيح مسلم.

اعلموا عباد الله أن الخصام والسباب والمقاطعة والامتناع عن المصالحة ليس هو السبيل السوي للانتصاف من الظالم وردعه، ورد الحق للمظلوم، وإنما السبيل السوي في التعامل مع الظلم إما بالعفو والصفح إذا لم تترتب على ذلك مفسدة أعظم، وإما برفع ظلمه ودفع شره من غير تعد ولا عدوان، سواء كان ذلك من المظلوم نفسه في الحالات التي له فيها أن يأخذ حقه لنفسه، أو من غيره من سلطان أو جماعة المسلمين، وهم مطالبون شرعاً برفع الظلم عن المظلوم ونصره، وفي الحديث الشريف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظه وهو يقدر على أن ينتصر، دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في حور العين أيتهن شاء). رواه الترمذي وصححه الألباني، وقصة حلف الفضول مشهورة وشارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم لنصرة المظلوم وردع الطالم.

بهذا نجد أن الإسلام قد شرع للمرء الحصول على حقه، ورغبه وحثه على التنازل، فمن أراد حقه أخذه ولا حرج عليه، ومن سمحت به نفسه كان ذلك خيراً له، لأن العفو والصفح من المستحبات والإحسان، كما قال تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) بل غايته أن الشرع رغّب فيه، وحث عليه من باب الاستحباب، وجعل الحصول على الحق مشروعاً ، فقد أمر الله تعالى بالعفو والصفح، فقال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين)َ وقال:  (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ).

إننا لننصح المسلمين في أي مشاجرة أو خصومة أن يأخذوا بمبدأ العفو والصفح والتسامح، فإذا حصلت المشاحة في ذلك، فلا مفر من اللجوء إلى الجهات التي تفصل في مثل هذه المشاجرات سواء كانت مجالس عرفية، أو جهات قضائية أو غير ذلك، وندعوا أنفسنا حميعاً إلى الصبر والعفو والصفح والتنازل، فقد قال تعالى:  (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)، وقال: ( وأن تعفوا أقرب للتقوى).

نتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه رجل يشكو إليه سوء معاملة أقاربه له فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال صلى الله عليه وسلم: (لئن كنت كما قلت فإنما تسفهم الملّ -الرماد الحار- ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)، رواه أحمد ومسلم، وفي الحديث الآخر: (ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) متفق عليه. وفي رواية لهما: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).

هذا وإن كل ما سبق في فضيلة العفو والصفح والحث عليه فإنما يكون فيما إذا أسيء إليه، أما إن كانت الإساءة إلى الله تبارك وتعالى، أو إلى الدين الإسلامي أو إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم،  فيجب على كل من يملك القدرة على تغيير المنكر أن ينكر بيده، فإن عجز فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

كذلك الأب أو الأم إذا رأى أحدهما ابنه أو بنته في معصية فليس من العفو المحمود السكوت عن ذلك، بل يجب التعليم والتوجيه والتبصير والإرشاد والأمر والنهي، فمن تذرع بعفو أو صبر في صورة سكوت عن منكر أو عدم امر بمعروف فهذا من محض الجهل بمقاصد الشريعة الإسلامية، كما أنه ليس من العفو والمسامحة مع النفس عدم مجاهدتها في مرضات الله، فالله يقول: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*