التأمل والتفكر في انتهاء عام هجري

الحمد لله…

أيها المسلمون: ونحن في آخر أيام للسنة الهجرية في توديع عام هجري واستقبال عام آخر، فهذا العام الذي نودعه لا بد أن نقف متأملين، لأن انتهاء الأيام وانقضاء الأعوام وتقويض الخيام من أعظم البراهين الساطعة والحجج القاطعة الدالة على أننا في سفينة الأيام والليالي تمخر بنا في عباب الحياة لتنقلنا إلى مكان آخر، وتنتهي بنا إلى دار معلوم ووعد محتوم، فعلينا في هذا التأمل أن نحسن في التوبة دائماً ونحرص على تحري الفرصة للعمل الصالح، بأن ننظر كيف نضع جدولاً صالحاً لحاضرنا ومستقبلنا، فالله يقول مخاطباً عباده المؤمنين، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، والنظر ووضع الجدول المستقيم لاستغلال فرصة الزمان يكون بالعمل الصالح كما قال الله تعال: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

وهكذا يسدل الستار على عام هجري وجزء من العمر، ووقت من الزمن مضى بما فيه من آمال وآلام، وما فيه من حسنات وسيئات، وأفراح وأحزان ، ألا وإن كل غائب من البشر والممتلكات قد يعود إلا العمر المنصرم والزمن المنقضي، والوقت الذاهب والأيام والأسابيع والشهور والسنين الماضية، فإنها لا يمكن أن تعود بنفس التأريخ.

فكل شيء قد مضى قد انقضى*** وما مضى مما مضى فقد مضى

إن هذا العام المنصرم جزء من أعمارنا، وعلامة قرب من نهاية آجالنا، فبمجرد انصرام يوم يكون حصل تقريب من النهاية، كما قال أحد السلف: يابن آدم إنما أنت مجموعة أيام فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضك، لقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله على يقين أن الأيام مطايا إلى الآخرة، فما كان العمر الذي مضى والوقت الذي انقضى إلا لحظات يسيرة وأيام معدودة، وهكذا الإحساس بالزمن مهما طالت مدته، قال الله تعالى: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

لقد جعل الله تبارك وتعالى لعباده علامات كثيرة تدل يقيناً أن مردهم إليه عز وجل، علامات ودلائل حسية مسموعة ومرئية، وكذلك دلالات معنوية، ومن أبرز وأجلا وأعظم تلك الدلالات الحسية والمشاهدة والمسموعة والمرئية انتهاء الأيام والشهور والسنين، بطلوع الشمس وغروبها واختلاف الليل والنهار ومن الدلالات ايضا أن من عمر نكس في الخلق قال تعالى : (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ )

إن قطار الزمن يمضي بسرعته الفائقة وحركته الدؤوبة ليصل إلى نهايته فما الأيام والليالي إلا بمثابة سفينة تحمل الناس وأعمالهم وتمخر في عباب الزمن لتبلغ غايتها، وتصل لنهايتها، يمضي اليوم تلو اليوم والأسبوع عقب الأسبوع، والشهر على أثر الشهر والسنة بعد السنة والكثير من الناس في غفلة مغرقة ولهو محدق وشرود مفرط ، فكم نحن بحاجة إلى التدبر وتأمل وتفكر؟! (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ) (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ )،

يسر المرأ ما ذهب الليالي*** وكان ذهابهن له ذهابا

و(ما) هنا مصدرية، والمعنى يسر المرء ذهاب الليالي ويفرح بمرور الأيام، وهو لا يتأمل أن في ذهاب الليالي ومرور الأيام ذهاب العمر وانتهاء الأجل!

وقال آخر : إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى منها يدني من الأجل

يقول الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )، وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول : ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لسقمك ومن فراغك لشغلك ومن حياتك لموتك)، هذا الحديث أصل في قصر الأمل والسعي الحديث في الإكثار من صالح العمل ومراقبة الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح ( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة) وفي الحديث الآخر ( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن جسمه فيم أبلاه وعن عمره فيم أفناه وعن علمه ما ذا عمل به وما ذا كان يعمل) رواهما الترمذي بسند صحيح .

نعم اغتنموا أيها المسلمون وأيتها المسلمات اغتنموا الصحة قبل الهرم وقبل السقم والفراغ قبل الانشغال والحياة قبل الممات فالدنيا دار عبور ومحطة مرور (وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) فخذوا من ممركم الدنيا لمقركم الآخرة، فالدنيا دار عمل والآخرة دار حساب فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومن الحكم المشهورة (أن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) وفي صحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك).

ولقد أحسن من قال:

وما هذه الأيام إلا مراحل* يحث بها داع إلى الموت قاصد* وأعجب شيء لو تأملت أنها * منازل تطوى والمسافر قاعد.

نعم يا عباد الله، يخيل لكل منا أنه قاعد ولكن الحقيقة أن الكل مسافر على ظهر سفينة الزمان، حتى ولو كنت نائماً فأنت في حال سفر إلى الآخرة! فهل من معتبر؟ فاليوم يهدم الأسبوع والأسبوع يهدم الشهر والشهر يهدم السنة وكل ذلك يهدم العمر، وكل ذلك دليل على رحيل الدنيا بأسرها

دقات قلب المرء قائلة له * إن الحياة دقائق وثواني.

قال الشاعر: نسير إلى الآجال في كل لحظة* وأيامنا تطوى وهن مراحل * ترحل من الدنيا بزاد من التقى * فعمرك أيام وهن قلائل.

اعلموا يا عباد الله أن الدنيا قليل وما بقي منها إلا القليل وما أعطي الإنسان فيها إلا القليل وما بقي من القليل إلا القليل، فهاهي تمر الليالي والأيام، وينقضي الشهر والعام، ويقيض الخيام، فاغتنموا يا عباد الله الليل والنهار فهما خزائن الأعمال، قال الله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ) فهذه الآية تجب على سؤال من يقول: ما الحكمة من هذه الأيام والليالي والشهور والسنين، فيأتي الجواب أن ذلك ليكون فرصة للعمل الصالح، وفي الحيث ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فعتقها أو موبقها) رواه مسلم، وفي الحديث الصحيح عند مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيراً) (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*