تلبيس الشيطان على من يدعون لتقارب الأديان

تقارب-الأديانالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين.

وبعد: فإن أعظم القيم التي لا يدخلها الخلل، والثوابت التي لا تقبل الجدل أن الإسلام الذي شرعه الله عز وجل هو دين جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، لأن الإسلام بمعناه الحقيقي هو الاستسلام لله تعالى بأن يعبد وحده لا شريك له، قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل 36،  فقال ( في كل أمة) وقال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56 والنفي مع الاستثناء يفيد الحصر.

المتأمل في نصوص الوحي يدرك باليقين أن الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وتسليماته، قال الله تعالى: في حق آدم وحوى عليهما السلام ( قلنا اهبطا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 38 وقال في شأن نوح عليه السلام أنه قال في خطابه لقومه: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يونس:72، وقد أخبر تعالى أن إبراهيم ويعقوب عليهما الصلاة والسلام، أوصيا بالدوام على الإسلام، وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان من المسلمين، وذلك حيث يقول تعالى في شأن إبراهيم: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) البقرة:131-132 كما أخبر أن بني يعقوب أقروا على أنفسهم بالإسلام فقال: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة:133، وأخبر أن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام كانا يقولان في دعائهما: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)، وقد وصف إبراهيم بالإسلام ونفى عنه اليهودية والنصرانية، فقال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران:67، وأخبر أن سحرة فرعون بعد إسلامهم دعوا الله تعالى فقالوا: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) الأعراف:126، وأخبر أن موسى عليه السلام قال في خطابه لبني إسرائيل: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) يونس:84، وأخبر أن سليمان عليه السلام قال في رسالته لسبأ: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) النمل:30-31، ووصف سبحانه وتعالى بيت لوط بالإسلام، فقال فيهم: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) الذاريات:36، وأخبر تعالى أن الحواريين أشهدوا عيسى على إسلامهم، فقال: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران:52، وقال تعالى في وصيته لعباده المؤمنين ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102، وقال ممتناً على عباده ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة 3.

 هذا الدين هو الذي جاء به الرسل كلهم عليهم صلوات الله وسلامه، وهم متفقون في كلياته، وقد تختلف الشرائع في بعض الجزئيات، ولكنه يجب في كل عصر اتباع الرسول المبعوث أو الرسل المبعوثين في ذلك العصر، مع الإيمان بالأنبياء الآخرين، ومحبتهم وتقديرهم جميعا، وعدم التفريق بينهم، وعدم الإيمان ببعض والكفر ببعض، وقد وصف الله تعالى المتمسكين بدينه الحق بالإسلام، سواء كانوا أنبياء أو أتباع الأنبياء،

الأمر الذي لا شك فيه أن الإسلام بمعناه العام الذي هو الاستسلام لله تعالى وإفراده بالعبادة هو دين جميع الأنبياء، منذ آدم وما بعده من الأنبياء ومنهم إدريس ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوطا وموسى وداوود وسليمان إلى عيسى ومحمد عليهم جميعا صلوات الله وسلامه.

 كذلك أتباعهم الصادقون الذين يعملون بما أخذ على النبيين من الميثاق  في وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونصرته واتباعه، والإيمان بما جاء به، وعدم العدول عنه إلى غيره، كما قال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) آل عمران: 81.

 يجب على المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا بجميع الرسل صلى الله عليهم وسلم، وألا يفرقوا بين أحد منهم، ويجب كذلك على اليهود والنصارى الإيمان بجميعهم، وقد نص القرآن على أن من جحدوا نبوة أحد من الأنبياء وفرقوا بين الرسل أنهم كافرون متوعدون بالعذاب ، قال تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا)  النساء: 150-151.

 ذلك لأن الإيمان بالرسل كافة من أركان الإيمان، قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملآئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) البقرة:285،  وأخبر تعالى أن الذين كذبوا رسولهم فإنما كذبوا جميع المرسلين كما في سورة الشعراء، قال تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون) الشعراء 105-106 فذكر في السورة نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا عليهم الصلاة والسلام بأن كل أمة كذبت رسولها فإنها كذبت المرسلين، وهكذا في سورة القمر، قال تعالى:( كذبت  ثمود بالنذر ) القمر 23، وقال : ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) القمر 33.

وفي حديث جبريل الطويل، قال صلى الله عليه وسلم:  (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى)  متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ورواه  مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن معشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد وأمهاتنا شتى). رواه أحمد وصححه الألباني.

 من هذا المنطلق يحرم على كل مسلم فضلا عن عالم من علماء المسلمين أن يدعو إلى تقارب الأديان مع بقاء الديانات الأخرى مخالفة للإسلام، بل تجب الدعوة والنصيحة لجميع المخالفين للإسلام من اليهود والنصارى والوثنيين إلى الإسلام دينا قيما، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) آل عمران:19، وقال تعالى: (وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ) آل عمران:20، وقال الله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران:85، وقال تعالى: (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) النحل:81. قال تعالى( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) آل عمران 64

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*