( ثم أتموا الصيام إلى الليل )

رمضانالحمد لله القائل ( ثم أتموا الصيام إلى الليل) سورة البقرة آية 87، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين القائل: ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ) صحيح البخاري  – كتاب الصوم  باب تعجيل الإفطار – حديث:‏1868‏ وصحيح مسلم  – كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه  – حديث:‏1903‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي رواية ابن ماجه  عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ، عجلوا الفطر ؛ فإن اليهود يؤخرون) – كتاب الصيام باب ما جاء في تعجيل الإفطار – حديث:‏1694‏ ، ورواية مسند أحمد بن حنبل  – مسند الأنصار ، عن أبي ذر الغفاري – حديث:‏20787‏ ، فعن أبي ذر  رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار ، فعجلوا الفطر وأخروا السحور)

 أيها الإخوة والأخوات الصائمين والصائمين، إن وقت الصيام الذي أجمع عليه المسلمون، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، إلى يومنا هذا، وإلى ان يرث الله الأرض ومن عليها: يبدأ من طلوع الفجر الصادق، وينتهي بمغيب قرص الشمس كاملاً خلف الأفق حين تغرب، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين القطعي.

قال الله تعالى : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة:87 ، والليل في لغة العرب يبدأ من غروب الشمس، بغياب القرص كاملاً.

جاء في “القاموس المحيط” فصل اللام “اللَّيْلُ: من مَغْرِبِ الشمسِ إلى طُلوعِ الفَجْرِ الصادِقِ أو الشمسِ، وجاء في “لسان العرب، اللَّيْلُ : عقيب النهار ، ومَبْدَؤُه من غروب الشمس، انتهى، نعم وهذا هو تعريف وضابط وقت الليل في جميع قواميس اللغة العربية.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يقتضي الإفطار عند غُرُوب الشمس حكمًا شرعيًا، انظر تفسير القرآن العظيم، عند الآية 87 من سورة البقرة

بل نبه بعض المفسرين إلى أن استعمال حرف الجر (إِلَى) في الآية يفيد التعجيل أيضاً، لما تحمله دلالة هذا الحرف من انتهاء الغاية .

قال العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله :

(إِلَى اللَّيْلِ) غاية اختير لها (إِلَى) للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس ؛ لأن (إِلَى) لا تمتد معها الغاية ، بخلاف (حتى) ، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل ” انتهى.

التحرير والتنوير (2/181) .

قلت: وهذا بخلاف ورودها في غسل اليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين في الوضوء، في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ) المائدة آبة 6 فإن السنة النبوية تفسر القرآن، فقد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حين توضأ وغسل يديه شرع في عضديه، كما هو الوارد عن نعيم بن عبد الله المجمر ، قال : رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثم مسح رأسه ، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء)، رواه مسلم  – كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء – حديث:‏388‏ .

لكنه لم يرد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه حين صام إلى المغرب شرع في الليل، إلا في مسألة الوصال والتي هي في حقه ويجوز لأي مسلم أن يصوم من السحر إلى السحر التالي.

 ومما يؤكد التعجيل بالإفطار إذا غاب قرص الشمس ما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا ، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) رواه البخاري (1954) ومسلم (1100)، فقرن في هذا الحديث بين إقبال الليل من جهة المشرق وسقوط قرص الشمس خلف الأفق، وهو أمر مشاهد، فإن الظلمة تبدأ في جهة الشرق بمجرد أن يغيب ضوء الشمس خلف الأفق.

 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا) أي من جهة المشرق، والمراد به وجود الظلمة حساً، وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور؛ لأنها وإن كانت متلازمة في الأصل، لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة، بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثَمَّ قيَدَّ بقوله: (وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ) ، إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر، انظر فتح الباري (4/196) .

قال النووي رحمه الله: قال العلماء: كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخرَيْن ويلازمهما ، وإنما جمع بينها ؛ لأنه قد يكون في وادٍ ونحوه ، بحيث لا يشاهد غروب الشمس ، فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء، انظر شرح مسلم (7/209) وقال أيضاً: المغرب تُعَجَّل عقب غروب الشمس ، وهذا مجمع عليه، انظر شرح مسلم (5/136).

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ: (يَا فُلاَنُ ! قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا – أي : اخلط السويق بالماء ، وحركه كي نشربه – فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لَوْ أَمْسَيْتَ . قَالَ : انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَلَوْ أَمْسَيْتَ . قَالَ : انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا . قَالَ : إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا . قَالَ : انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا . فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) رواه البخاري (1955) ومسلم (1101).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: في الحديث استحباب تعجيل الفطر، وأنه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً، بل متى تحقق غروب الشمس حل الفطر، انظر فتح الباري (4/197) .

ثم في إجماع المسلمين على الفطر وتناول الطعام فور سماع أذان المؤذن لصلاة المغرب عند مغيب الشمس حقيقة، دليل على أن هذا هو الحق، ومن خالف ذلك فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وابتدع ما ليس له به برهان ولا أثارة من علم.

 هذا وقد خالف بعض الشيعة هذا الطريق وخالفوا إجماع المسلمين، وتأولوا بعض الآيات التي فيها يذكر الليل أنه ظلام، وغفلوا عن تعريف بدايته، بل وخالفوا كثيراً من  الشيعة، فقد جاء في كثير من كتب الشيعة ما يوافق ما أجمع عليه المسلمون في هذه المسألة، فقد روى بعضهم عن جعفر الصادق رحمه الله قوله: إذا غابت الشمس فقد حل الإفطار ووجبت الصلاة، انظر من لا يحضره الفقيه (1/142)، وانظر وسائل الشيعة (7/90) .

كما نقل البروجردي عن صاحب الدعائم قوله: روينا عن أهل البيت – صلوات الله عليهم أجمعين – بإجماع فيما علمناه من الرواة عنهم، أن دخول الليل الذي يحل الفطر للصائم هو غياب الشمس في أفق المغرب بلا حائل دونها يسترها من جبل أو حائط، ولا غير ذلك، فإن غاب القرص في الأفق فقد دخل الليل وحل الفطر. انظر جامع أحاديث الشيعة (9/165).

وإنما أشرت إلى المخالفين وبطلان فهمهم  حتى لا يغتر بها بعض السذج من الناس….وبالله التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*